المقدمة الثانية الخطبة:
بعد المقدمة الأولى للنكاح، وهي الاختيار تأتي المقدمة الثانية "الخطبة".
تعريفها:
الخطبة -بكسر الخاء وضمها- مأخوذة من خطب -بضم الخاء- لكن خصت الخطبة بضم الخاء بالكلام المنثور أو المسجوع الموجه إلى الغير، ومنها خطبة المنبر.
[ ٢٥ ]
وخصت الخطبة -بكسر الخاء- بخطبة المرأة للزواج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ١.
والخطبة في الاصطلاح: التماس الخاطب النكاح من جهة المخطوبة.
ويفهم من التعريف الاصطلاحي للخطبة أنها لا تكون إلا من جانب الرجل فقط ولا تكون من جانب المرأة ولكن إذا ظهرت للمرأة من تراه أصلح لها ولم تظهر منه رغبة مع أنه أهل للزواج فلا مانع شرعا من أن تتقدم وتظهر رغبتها في الزواج منها بنفسها أو بولي من أوليائها أو برسول الله من جهتها.
يوضح لنا ذلك القرآن الكريم حين عرضه لموقف شعيب -﵇- مع موسى -﵇- حيث قال شعيب له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ٢.
وتلك هي السيدة خديجة بنت خوليد -﵂- فهي التي خطبت النبي -ﷺ- قبل الرسالة وأظهرت رغبتها في التزوج منه، ولم يعرف أنه -ﷺ- كان يفكر في ذلك.
وروى البخاري وغيره من حديث سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله جئت أهب نفسي منك -أو لك. على خلاف في الروايات.
فقال لها النبي -ﷺ: "ما لي في النساء من حاجة" يقول أهل العلم: إن عدم إنكار النبي -ﷺ- على عرضها نفسها
_________________
(١) ١ الآية ٢٢ من سورة البقرة. ٢ الآية ٢٧ من سورة القصص.
[ ٢٦ ]
عليه ورغبتها في الزواج من دليل على جواز خطبة المرأة لمن تراه أهلا للزواج به.
وكذلك أخرج البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصه، فقال: سأنظر في أمري، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق -﵁- فقلت: إن شئت زوجتك بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليَّ شيئا وكنت أوجد عليه من عثمان.
فعمر بن الخطاب ﵁ عندما توفي زوج ابنته حفصة اهتم بشأنها بعد انقضاء عدتها من زوجها المتوفى عنها وهي في ريعان شبابها فعرضها على كبار الصحابة دون حياء ولا تردد فتزوجها النبي -ﷺ- فهل ثقلت مؤنة حفصة على أبيها عمر ﵁ لدرجة أن يعرضها بنفسه على من هم في مثل سنه؟ أم أنه يختار لها الأصلح دينا ودنيا.
فليكن لكم أيها الأولياء في سلفكم الصالح القدوة الحسنة حتى تسعدوا بناتكم وحتى يجد الشباب والفتيات الطريق الحلال لتكوين أسرة سعيدة يسعد بسعادتها المجتمع.
إلا أن المرأة في الغالب يمعنها حياؤها أن تعرض نفسها على من تراه أهلا لنكاحها، وكذلك يستحيي واليها من ذلك، لكن قد يحدث هذا العرض وإظهار الرغبة من أمها أو أختها فإذا ما صادف العرض ما في نفس الرجل فإنه يتقدم لخطبتها، فالدين لا يمنع المرأة من خطبة من تراه أهلا
[ ٢٧ ]
لنكاحها وإن كان العرف والعادة يمنعان من ذلك، ومع هذا شاع على ألسنة الناس "اخطب لابنتك ولا تخطب لابنك"، مما يدل على أن الناس يريدون التوجه إلى ما يحث عليه الدين لا العرف والعادة.
[ ٢٨ ]