مما ينبغي التنبيه عليه أن الله -تعالى- حينما تعبدنا بما أمرنا به فقد يبين لنا الحكمة من هذا الأمر أو هذا النهي وهذا موجود في كتاب الله -تعالى- كثير وقد لا يبين الحكمة في بعض الأوامر أو في بعض المنهيات لكن ليس معنى ذلك أننا نتوقف في فعل ما أمرنا به لعدم بيان الحكمة فيه بل نقوم بفعله وإن لم تظهر لنا الحكمة من تشريعه.
١ - ولما كانت الوصية من هذا النوع الأخير التي لم تأت نصوص الكتاب والسنة في بيان الحكمة من تشريعها أحببت أن أنبه على هذا الجانب فلو لم تظهر للبعض الحكمة من تشريعها فإن التشريع لها باقٍ مع العلم بأنه من نظر بعين البصيرة والفقه في الوصية وجد الكثير من جوانب الحكمة في تشريعها؛ فمن هذه الجوانب:
١. قال الله تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
_________________
(١) وللزيادة انظر: نماذج من وصايا السلف في مصنف عبد الرزاق (٩/ ٥٤).
(٢) انظر: الوصايا والتنزيل في الفقه الإسلامي لمحمد التاويل.
[ ٢٢ ]
فهذه وصية من يعقوب لأبنائه بالتمسك بعبادة الله وحده لا شريك له فهذه وصية جامعة للموصي والموصى إليه بل هي من أنفع الوصايا على الإطلاق، وللأسف غفل الكثير عن هذه الوصية ونظروا لما هو دونها في النفع فهي وصية الأولين والآخرين وأتباعهم بل هي وصية رب العالمين لعباده.
فما ينبغي التفطن له أن يوصى أحدنا أولاده إذا حضرته الوفاة بما وصى به يعقوب أولاده لكي يثبتوا عليه حتى يلقوا ربهم ﷾.
٢ - ومن الحكمة في تشريعها أنها تبرأ بها ذمة الموصى مما يحدث بعد موته وبخاصة إذا كان في أماكن يكثر فيها الجهل بعقيدة التوحيد فالموصي يوصي أولاده مثلًا وكذا أقاربه ببراءته من الحالقة والشاقة والصالقة كما قال أبو موسى الأشعري - ﵁ - في مرض موته: «أنا بريء ممن برئ منه رسول الله - ﷺ - من الصالقة والحالقة والشاقة» (١)، وكذا براءته من دعوى الجاهلية الممقوتة فإذا وصي الموصي بعدم شق الجيوب ولطم الخدود وحلق الرؤوس وغيرها من الأمور المنهية شرعًا فإنه ينجو من عذاب القبر فإن النبي - ﷺ - قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٢)، والمراد بالبكاء هنا هو المصحوب بما ذكرناه آنفًا فإذا وصى بعدم فعل هذه الأشياء وبراءته منها نجا بلا شك من العذاب المرتب على ذلك.
٣ - ومن حكمتها أنها عمل ينتفع به الميت بعد موته فلو أن أحد الموصين
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٢٣٤)، ومسلم رقم (١٠٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٢٢٦)، ومسلم رقم (٩٢٨).
[ ٢٣ ]
أوصى بعمل خيري دائم النفع فهذا بلا شك ينتفع به الميت فهو رصيد دائم يزيد له في حسناته بعد مماته.
كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).
٤ - ومن حكمتها أن فيها الحفاظ على مال الدائن وبراءة ذمة المدين وبهذا تظهر الحكمة من أن حقوق الآدميين محفوظة حتى وإن مات من عليه الدين.
٥ - ومن حكمتها أنها حماية للأموال ورعاية للقُصَّر، فلو أن رجلًا مات وترك ثروة مالية للورثة وبين هؤلاء الورثة قُصَّر لا يحسنون التصرف في أموالهم وقد أوصى هذا الرجل بأن يكون زيد من الناس وصيًا على أولاده، فإن هذا الوصي يقوم مقام والدهم فيحافظ على القصر وعلى أموالهم.
٦ - ثم إنها صدقة تصدق الله بها على الموصى بعد وفاته، فينبغي إذا كان صاحب مال ألا يحرم نفسه من الخير.
٧ - ثم إن وصية المرء بأقاربه غير الوارثين هو من باب العناية بهم، وصلة رحمهم، و«يعلم الله العليم الحكيم أن بعض الأثرياء أو أكثرهم لهم أجداد محرومون من الميراث بآبائهم، سواء كان جده لأبيه أو لأمه، هل يبقى محرومًا من الوصية؟» (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٥٥، رقم ١٦٣١).
(٢) صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم، عبد الرحمن محمد الدوسري (٣/ ٥٢).
[ ٢٤ ]