المضارة في الوصية كبيرة من الكبائر، قال ابن عباس - ﵁ -: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (٢).
وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢].
قال ابن كثير _رحمه الله_: «لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار
_________________
(١) نبذة في الوصايا مع بعض النماذج الخاصة بها، لعبد العزيز بن قاسم (ص: ١٧).
(٢) رواه البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٧١)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢٣/ ١٩)، والتمهيد (٥/ ٥١٥)، ورواه سعيد بن منصور برقم (٣٤٣) بلفظ: «الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر»، وروي مرفوعًا ولا يصح، انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٠٥)، وسنن الجراقطني وبذيله التعليق المغني (٣ - ٤/ ١٥١).
[ ٣٨ ]
والجور والحيف بأن يحرم أحد الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما فرض الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمه وشرعه» (١) ا. هـ.
قال ابن الأثير _رحمه الله_: «ومعنى المضارة في الوصية: أن لا يمضيها، أو ينقص بعضها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك» (٢) ا. هـ.
والإضرار في الوصية من قبل الموصي بالوصية يكون من قبل الموصي ويكون من قبل الموصى إليه.
فالإضرار بها بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لغير الوارثين مع كون الورثة محتاجين وهذا على نحو ما ذكرناه في أحكام الوصية (٣).
قال أبو هريرة - ﵁ - وروي مرفوعًا-: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة»، ثم قال: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] (٤).
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم (١/ ٥٦٩).
(٢) جامع الأصول (١١/ ٦٢٦).
(٣) انظر: الملخص الفقهي (٢/ ٢١٩،٢٢٠).
(٤) رواه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيرهما، كما في تفسير ابن كثير (١/ ٤٦١)، والدارقطني فى سننه (٤/ ١٥١، رقم٧) وغيرهم، وقال ابن كثير: قال الطبري: الصحيح الموقوف. وكذلك قال غير واحد من العلماء. السنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، للإمام ضياء الدين المقدسي (٥/ ١٤ - حاشية ٥).
[ ٣٩ ]
ومن الإضرار فيها أيضًا من قبل الموصي تفضيل بعض الورثة على بعض بالوصية له بالمال مضارة بالورثة ونحوه أما الإضرار بالوصية من قبل الموصى إليه فيكون بإهمالها وعدم القيام بحقها أو التصرف فيها بما ليس من مصلحتها بل فيه إفساد لها أو نقص منها ونحو ذلك فهذا إضرار بالوصية.
والإضرار في الوصية نوعان: إثمٌ وجنف.
فالإثم هو الإضرار بالوصية مع القصد، أما الجنف فهو الإضرار بالوصية من دون قصد.
وقد أوضح ابن القيم في إغاثة اللهفان معناهما مع التمثيل لهما وما يجب نحوهما بقوله: «والضرار نوعان: جنف وإثم. فإنه قد يقصد الضرار، وهو الإثم، وقد يضار من غير قصد، وهو الجنف، فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار قصد أو لم يقصد، فللوارث رد هذه الوصية. وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاؤها. فإن علم الموصَى له أن الموصي إنما أوصى ضرارًا لم يحل الأخذ، ولو اعترف الموصي أنه إنما أوصَى ضرارًا لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصية.
وقد أجاز ﷾ إبطال وصية الجنف والإثم، وأن يصلح الوصي أو غيره بين الورثة والمُوصَى له فقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢].
وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الموصي الجنف، أو الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض شروطه فأبطل ذلك مصلحا لا مفسدا. وليس له أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم، ولا يصح هذا الشرط ولا يحكم به، فإن الشارع قد
[ ٤٠ ]
رده وأبطله. فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه، فإن ذلك مضارة له ومناقضة» (١).