فإن كانت الوصية لجهة عامة فشرطه أن لا تكون جهة معصية، وإن كانت خاصة فالشروط المعتبرة فيه:
١ - أن لا يكون وارثًا للموِصي: نُسخت الوصية للوارثين بآية المواريث عند جمهور الفقهاء، وبقيت لغير الوارثين من الأقربين بقوله تعالى في المواريث:
_________________
(١) الاستذكار (٢٣/ ٢٦)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف، لعبد الوهاب البغدادي (٢/ ١٠١٠)، الإقناع لابن المنذر (٢/ ٤١٦)، كشاف القناع (٣/ ٢١٢٢).
(٢) رواه الترمذي برقم (٢٠٩٤)، وأحمد برقم (٥٩٥) عن علي وفيه الحارث الأعور، ورواه ابن ماجه (٢١٢٢).
[ ٢٦ ]
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (١)، لما ثبت عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث» (٢).
ومذهب الحنفية وهو الأظهر عند الشافعية وظاهر مذهب الإمام أحمد وقول عند المالكية أن الوصية للوارث صحيحة موقوفة على إجازة الورثة (٣).
لما رُوي أن النبي - ﷺ - قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» (٤). وري بلفظ: «إلا أن يشال الورثة» (٥). وقال به الحسن وابن سيرين (٦).
٢ - كونه الموصَى له معينًا: فإن كان مجهول العين فلا تصح له الوصية، ويكفي العلم بالوصف كقوله أوصي للمساكين والفقراء.
٣ - كون الموصى له أهلًا للتملك: فإن كان ممن لا يصح تملكه فلا تصح الوصية له، كالجني والبهيمة والميت (٧)، ونحوه.
_________________
(١) فقه المواريث والوصية في الشريعة الإسلامية د. نصر محمد فريد واصل (ص: ١٠٦).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٨٦)، والترمذي رقم (٢١٢٠)، وقال: حديث حسن، وأبو داود (٣/ ١١٤ برقم ٢٨٧٠)، وابن ماجه رقم (٢٧١٢)؛ والنسائي رقم (٣٦٤٣ - ٣٦٤٥)، وذكره الحافظ ابن حجر وأفاد أن له شواهد كثيرة، ونقل عن الشافعي أنه متواتر (فتح الباري ٥/ ٣٧٢)، وصححه الألباني في الإرواء برقم (١٦٥٥).
(٣) شرح الترتيب (٢/ ٤)، وحاشية الدسوقي (٤/ ٤٢٧)، والمغني (٦/ ٦)، والملخص الفقهي (٢/ ٢١٨).
(٤) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٤٦، رقم ١٢٣٢٠)؛ والدارقطني (٤/ ١٥٢).
(٥) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص:٢٥٦، رقم ٣٤٩)، والدارقطني (٤/ ٩٨، ١٥٢)؛ والبيهقي (٦/ ٢٦٣، رقم ١٢٣١٥) حسنه الحافظ في البلوغ، وقال في الفتح: رجاله ثقات، والصنعاني في سبل السلام (٣/ ١٠٥، ١٠٦).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (١١/ ١٥٠، رقم ٣١٣٦٣).
(٧) وقيل بجوازها للبهيمة وتصرف في مصالح البهيمة خصوصًا إذا كانت من بهيمة الجهاز والميت تصرف صدقة له في أعمال الخير، رجحه في الشرح الممتع (١١/ ١٦٨)، وكذا الموصي للميت لقضاء دين عليه، انظر مصنف عبد الرازق (٩/ ٢٤).
[ ٢٧ ]
٤ - كون الموصى له حيًّا غير ميت (١): جاء في الكافي: «ولا تصح الوصية لمن لا يملك كالميت، لأنه تمليك فلم يصح لهم»، وقال في المهذب: «ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت لم تصح الوصية، لأنه تمليك فلم يصح للميت كالهبة».
فإن كان حيًّا حياة تقديرية كالجنين في بطن أمه هل تصح الوصية؟
الصحيح أنها تصح للحمل الذي تحقق وجوده قبل صدور الوصية، أما إن كان غير موجود حينها كما لو قال: أوصيت لحمل فلانة وهي لم تحمل بعد، فلا تصح؛ لأنها وصية لمعدوم (٢).
فإن أوصى لحمل تحقق وجوده فنزل ميتًا بطلت الوصية، وتعرف حياته باستهلاله. والاستهلال هو صياح المولود أو عطاسه أو ارتضاعه أو تنفسه ونحو ذلك.
لكن هناك سؤال قد يطرأ على البعض بماذا يتحقق وجود الحمل؟
الجواب: يتحقق تحقيق وجود الحمل إن ولد قبل تمام ستة أشهر من وقت الوصية؛ لأن هذه الفترة أقل مدة تضع فيها المرأة حملها، أما في عصرنا الحاضر فوسائل التقنية الحديثة سهَّلت لنا معرفة مثل ذلك.
_________________
(١) انظر: الكافي (٢/ ٤٧٩)، والمهذب للشيرازي (٣/ ٧١٣)، وروضة الطالبين (٦/ ٩٩)، ومغني المحتاج للشربيني (٣/ ٤٠).
(٢) الوصايل لمحمد التأويل (ص:١٨١، وما بعدها)، وقيل بجوازها للمعدوم؛ لأنها محض تبرع دائرة بين السلامة والغنم ولا غرم فيها فخالفت البيع. وهو الصحيح واختاره شيخ الإسلام كما في الاختيارات، وكذلك قال بصحة الوصية للمعدوم العلامة صالح الفوزان في شرحه المختصر على زاد المستنقع (ص: ٣١٦).
[ ٢٨ ]
٥ - كون الموصَى له غير قاتل للموصِي: فإذا أوصى شخص لآخر ثم قتله الموصى له بعد الوصية بطلت الوصية إن كان القتل عمدًا قياسًا على الميراث، وللقاعدة الفقهية المشهورة (من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه)، وقال الإمام مالك ﵀: تصح لأنها هبة، والقتل لا يمنعها كالحياة (١). والأول أولى.
أما إن أجازها الورثة فهل تصح؟؟
الصحيح أنها لا تصح وعند الأحناف تصح.