لا خلاف بين الفقهاء في أن الحكم الشرعي للوصية بهذا المعنى الثاني إنما هو حدوث الملك للموصى له في الموصى به وقت الموت لا وقت الوصية، لأن الوصية ليست بتمليك في الحال، بل هي تمليك مضاف لما بعد الحياة بدون عوض (٤).
كما اتفق الفقهاء على ضرورة الإيجاب بالوصية من الموصى لصحتها لأن إيجاب الموجب ركن في الوصية بالإجماع، ولكنهم اختلفوا في القبول لها هل يعتبر شرطًا في صحتها، أو ركنًا فيها أم لا، على النحو التالي:
١ - جمهور الفقهاء وهم الأئمة الأربعة يذهبون إلى أن الوصية إن كانت لغير معين كالفقراء لزمت بموت الموصي ولا تحتاج إلى قبول الموصى له حيث لا يعتبر القبول هنا ركنًا ولا شرطًا.
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/ ٤٢٨)، وحاشية الدسوقي (٤/ ٤٢٢)، والحديث سبق تخريجه.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (٢/ ٢٦٠).
(٣) فقه المواريث والوصية في الشريعة الإسلامية، د. نصر فريد محمد واصل، (ص: ١١٢،١١٣).
(٤) انظر (ص:٥) في تعريف الوصية اصطلاحًا، من هذا البحث.
[ ١٩ ]
وأما إذا كانت الوصية لمعين فإنها تحتاج إلى قبول، ويكون القبول ضروريًا لصحتها ولزومها، سواء كان ركنًا أم شرطًا (١).
٢ - وذهب نفر من الحنفية إلى أن قبول الموصى له لا يعد ركنًا ولا شرطًا سواء كانت الوصية لمعين كمحمد بن فلان أو لغير معين كالفقراء والمساكين.
وذلك لأن الوصية ركنها الإيجاب فقط ولا تحتاج إلى قبول (٢).
ويتفق جميع الفقهاء على أن القبول لا يلزم الفور به بعد الموت وأنه إذا حدث القبول بعد الموت تأكد صحة الوصية ولزومها ودخولها في ملك الموصى له. ولكنهم اختلفوا فيما إذا تأخر القبول بها لفترة ثم تم القبول هل العبرة بوقت القبول في الملك أم بموت الموصي أم هما معًا.
١ - المالكية ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن ملكها من حين الموت مطلقًا.
والثاني: من وقت القبول.
والثالث: اعتبارهما معًا (٣).
٢ - جمهور الفقهاء:
وهو التفريق بين ما إذا كانت الوصية لمعين أو لغير معين، فإن كانت لمعين لزم القبول واعتبر من وقته حتى لا يؤدي التأخير إلى ضرر الورثة، ولحثه
_________________
(١) بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٢٣٠)، وحاشية ابن عابدين (٥/ ٤٣٠)، وحاشية الدسوقي (٤/ ٤٢٤).
(٢) بدائع الصنائع (٧/ ٢٣٠).
(٣) الميراث المقارن، للكشكشي (ص: ١٠٨).
[ ٢٠ ]
على سرعة القبول أو الرد حتى تتحدد الحقوق بالنسبة لآثار المال الناتجة عنه.
أما إن كانت الوصية لغير معين فإنها تلزم بالموت ولا تحتاج إلى قبول هذا يكون المرعى في المالكية هنا وقت الموت. وهو المذهب الراجح.