"كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -ﷺ-، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْطُ فالِج (١) أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فعملتها، واستشفعت بها إلى اللَّه في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -ﷺ- فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة، فقمت، وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدًا، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي: أتريد أن تعلمني القصيدة التي مدحتَ بها رسول الله -ﷺ-؟ فقلت: أيها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تُنشد بين يدي رسول الله -ﷺ-، فرأيت رسول الله -ﷺ-، يتمايل (٢) وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة (٣)، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام" (٤).
وكيف يقر رسول اللَّه -ﷺ- هذه القصيدة وفيها طامَّات
_________________
(١) = البقاعي ﵀: "قد صارت نسبة العلماء له -أي ابن الفارض- إلى الكفر متواترة تواترًا معنويًّا" اهـ. من "تنبيه الغبي" ص (٢١٧).
(٢) الخِلْطُ: ما خالط الشيء؛ وأخلاط الإنسان (في الطب القديم): أمزجته الأربعة، وهي: الصفراء، والبلغم، والدم، والسوداء. والفالِج: شلل يصيب أحد شقي الجسم طولًا.
(٣) وهذا يذكرنا بحديث مكذوب فيه أن النبي -ﷺ- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه، وقال: "ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب"، قال ابن تيمية -﵀-: إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -ﷺ- وسننه وأحواله". اهـ. من "مجموع الفتاوى" (١١/ ٥٩٨).
(٤) وهذا أيضًا محاكاة لما اشتهر أن كعب بن زهير -﵁- لما أنشد قصيدته في مدح رسول الله -ﷺ- أعطاه رسول الله -ﷺ- بردته، يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وهذا من الأمور المشهورة جدًا، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكُتب المشهورة بإسنادٍ أرتضيه، فالله أعلم". اهـ. من "البداية والنهاية" (٤/ ٣٧٣).
(٥) "فوات الوفيات" لمحمد بن شاكر الكتبي (٢/ ٢٥٨).
[ ٣٤ ]
وغلوٌّ وابتداع وانحراف (١) عن هديه -ﷺ- مما يأباه رسول الله -ﷺ-، وقد نهى -ﷺ- أمته عن إطرائه بالغلو في مدحه -ﷺ-.
وقد غلا الناس في هذه القصيدة فزعموا أنها تُقرأ لتفريج الكربات، وتيسير العسير، وأن بعض أبياتها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون (٢).
بل اشترطوا لقراءتها الوضوء، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، والعلم بمعانيها، إلى غير ذلك (٣).
وتنافس أكثر من مائة شاعر في معارضتها، فضلًا عن المشطِّرين (٤) والمخمِّسين والمربِّعين، وتجاوزت شروحها الخمسين شرحًا، فيها ما هو مُحلًّى بماء الذهب، وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن (٥).
- إن من عادة الصوفية اختلاقَ القصص "الإرهابية"؛ لترهيب الناس من مخالفتهم أو الإنكار عليهم:
قال النبهاني: "قال المناوي: قال لي فقيه عصره شيخنا الرملي: إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونُصِبَتْ أوانٍ في غاية الكِبَر، وأُغْلِيَ فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعةٍ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فصُلِقوا فيه حتى تَهَرَّى اللحم والعظم، فقال: ما هؤلاء؟ قال: "الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض" (٦).
_________________
(١) انظر أمثلة ذلك في "نقد البردة" للشيخ عبد البديع صقر، و"حقوق النبي -ﷺ- على أمته" للدكتور محمد خليفة التميمي ص (٦٧١ - ٦٨١)، و"قوادح عقدية" ضمن "حقوق النبي -ﷺ- بين الإجلال والإخلال" - إصدار المنتدى الإسلامي ص (١٧٧ - ٢٠٠)، و"الانحرافات العقدية والعلمية" للزهراني (١/ ٣٥٩، ٣٦٠).
(٢) "المدائح النبوية" لزكي مبارك ص (١٩٧).
(٣) "مقدمة ديوان البوصيري" ص (٢٩، ٣٠).
(٤) التشطير: هو أخذ الشاعر بيتًا لغيره، فيجعله لصدره عَجُزًا، ولعجزه صدرًا، مراعيًا تناسب اللفظ والمعنى بين الأصل والفرع، وخَمَّس الشِّعر: جعل كل قطعة منه خمسة شطور.
(٥) "قوادح عقدية في بردة البوصيري" ص (١٨٩).
(٦) "جامع كرامات الأولياء" للنبهاني (٢/ ٢١٨) ط. دار صادر - بيروت.
[ ٣٥ ]