قال شيخ الاسلام ابن تيمية -﵀- في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية: "وهؤلاء تقترن بهم الشياطين، وتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الْكُهَّان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، وهؤلاء جميعًا ينتسبون إلى المكاشفات، وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلا بد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم، ولابد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور؛ مثل نوع من الشرك، أو الظلم، أو الفواحش، أو الغلو، أو البدع فى العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن؛ قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ " (١) [الزخرف: ٣٦].
ومن الأحوال الشيطانية حال "عبد اللَّه بن صياد"، الذي ظهر في زمن النبي -ﷺ-، وكان قد -ظن بعض الصحابة أنه الدجَّال، وتوقف النبي -ﷺ- في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجَّال، لكنه كان من جنس الكُهَّان، وقال له النبي -ﷺ-: "قَدْ خَبَأتُ لَكَ خَبْئًا" قال: "الدُّخُّ الدُّخُّ"، وقد كان خَبأ له سورة "الدخان"، فقال له النبي -ﷺ-: "اخْسأ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ" (٢)، يعني إنما أنت من إخوان الْكُهَّان، والْكُهَّان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المُغُيباتِ بما يَسْترِقُهُ من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي -صلى اللَّه عليه
_________________
(١) "الفرقان" ص (١٨، ١٩).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٢٤٤) (٢٩٣٠).
[ ١٠٨ ]
وسلم- قال: "إِنَّ المْلَائِكَةَ تَنْزِلُ فيِ الْعَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَتُوحِيه إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ" (١).
وهذا المسيح الدجَّال الذي هو أعظم فتنة تمر على البشرية في تاريخها، حتى حَذَّر جميع الأنبياء منه أُمَمَهُمْ، وحتى قال فيه النبي -ﷺ-: فيما رواه أبو داود عن عمران بن حصين -﵄-: "مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنأَ عَنْهُ، فَوَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيه وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِن، فَيتَّبِعُهُ؛ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ" (٢)، وسوف يأتي بأعظم الخوارق:
فمنها: ما رواه حُذَيْفَةُ -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: "مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ" (٣).
- ومنها: أنه يستعين بالشياطين؛ فقد رُوِي عن أبي أُمَامَةَ -﵁- قال: "وَإنَّ مِنْ فِتنتهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وأُمَّكَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطانانِ في صُورَةِ أَبيهِ وَأمّهِ، فَيَقُولَان: يَا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ؛ فَإنَّهُ رَبُّكَ" (٤).
- ومن فتنته: أنه -يأمر السماء فتُمْطِرُ، والأرضَ فتُنْبِتُ، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تُخرِجَ كنوزها المدفونة فتستجيب (٥).
- ومن فتنته: أنه يقتل ذلك الشابَّ المؤمنَ فيما يظهر للناس، ثم يَدَّعي أنه أحياه، فيقول ذلك الشابُّ: "واللَّه ماكنتُ فيكَ أشدَّ بصيرة مني اليوم" (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢١) (٦/ ٣٠٤ - فتح).
(٢) "صحيح سنن أبي داود" (٣/ ٨١٤) (٣٦٢٩).
(٣) رواه مسلم (٤/ ٢٢٤٨) (٢٩٣٤).
(٤) "ضعيف ابن ماجه" (٨٨٤)، ص (٣٣٠).
(٥) انظر الحديث في "صحيح مسلم" (٤/ ٢٢٥٢) (٢٩٣٧).
(٦) انظر الحديث في "صحيح البخاري" (١٣/ ١٠١ - فتح)، ومسلم (٤/ ٢٢٥٦) (٢٩٣٨).
[ ١٠٩ ]
يقول شيخ الإسلام في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية:
(وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم، وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة؛ كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام.
وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي أَخبر به النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن النبي -ﷺ- أنه قال: "سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبيرٌ" (١)، وكان الكذَّاب: المختار بن أَبي عبيد (٢)، والمبير: الحجاج بن يوسف، فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أَنه يُنَزَّلُ إِليه، فَقَالَا: صدق، قال اللَّه تعالى-: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].
وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أَنه يُوحَى إلِيه، فقال: قال اللَّه -تَعَالَى-: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]) (٣).
(والأسود العنسي الذي ادَّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأُمور المغيَّبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون مِن الشياطين أَن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبيَّن لها كفره، فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذَّاب، كان معه من الشياطين من يُخْبِرُهُ بالمغيَّبات، ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون؛ مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن
_________________
(١) رواه مسلم (١٦/ ١٠٠ - نووي)، والمبير: المهلِك.
(٢) ومن طرائف الأخبار: أن سراقة البارقي -وكان من ظرفاء المدينة- أسره رجل من أصحاب المختار هذا، فأتى به المختار، وقال: "أسرتُ هذا"، فقال: "كذبتَ، ما أسرني إلا رجل عليه ثياب بيض على فَرَس أبلق"، فقال المختار: "أما إن الرجل قد عاين الملائكة، خلوا سبيله"، فأفلت منهم بدهائه وحسن تخلصه.
(٣) "الفرقان" ص (٨٦).
[ ١١٠ ]
عبد الملِك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تُخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن يَنْفُذَ فيه، وتُسَبِّحُ الرُّخامة إذا مسحها بيده، وكان يُرِي الناسَ رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جِنًّا، ولما أَمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم يَنْفُذْ فيه، فقال له عبد الملك: "إنك لم تُسَمِّ اللَّه"، فسَمَّى اللَّه، فطعنه، فقتله (١).
وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذُكِرَ عندهم ما يَطْرُدُهَا؛ مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في "الصحيح" عن النبي -ﷺ- في حديث أَبي هريرة -﵁-، لما وَكَّلَهُ النبي -ﷺ- بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه، فيتوب، فيطلقه، فيقول له النبي -ﷺ-: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ "، فيقول: زعم أَنه لا يعود، فيقول: "كَذَبَكَ، وَإِنَّهُ سَيَعُودُ"، فلما كان في المرة الثالثة، قال: دعني حتى أُعلِّمك ما ينفعك: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصْبحَ، فلما أخبر النبي -ﷺ- قال: "صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ"، وأخبره أَنه شيطان.
ولهذا إِذا قرأَها الإِنسان عند الأَحوال الشيطانية بِصِدْقٍ أَبطلتها؛ مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أَو يحضر سماع المكاءِ والتصدية، فتنزل عليه الشياطين، وتتكلم على لسانه كلامًا لا يُعْلَمُ، وربما لا يُفْقَهُ، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة؛ كما يتكلم الجني على لسان المصروع، والإنسان الذي حَصَلَ له الحال لا يدري بذلك، بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه، وتكلَّم على لسانه، فإذا أَفاق لم يشعر بشيء مما قال) (٢). اهـ.
_________________
(١) انظر تفصيل خبره في "تلبيس إبليس" ص (٥٢٩ - ٥٣٣).
(٢) "الفرقان" ص (١٣٤، ١٣٥).
[ ١١١ ]
(وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب "الفتوحات" أَنه أَلقى إِليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أَنواعًا من الخلوات بطعام معين، وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالًا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأَولياء، وإنما هو من الأَحوال الشيطانية، وأَعرف من هؤلاءِ عَدَدًا، ومنهم من كان يُحْمَلُ في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يُؤْتَى بمال مسروق، تسرقه له الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بِجُعْلٍ يحصل له من الناس، أَو لعطاء يعطونه إذا دَلَّهُمْ على سرقاتهم، ونحو ذلك.
ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية، كانوا مناقضين للرسل -صلوات اللَّه- تعالَى -وسلامه عليهم-، كما يُوجَدُ في كلام صاحب "الفتوحات المكية"، و"الفصوص"، وأشباه ذلك؛ يَمْدَحُ الكفارَ؛ مثل قوم نوح، وهود، وفرعون، وغيرهم، وينتقصُ الأَنبياءَ؛ كنوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، ويَذُمُّ شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين؛ كالْجُنَيْدِ بن محمد، وسهل بن عبد اللَّه التستري، وأَمثالهما، ويَمْدَحُ المذمومين عند المسلمين؛ كالحلاج ونحوه؛ كما ذكره فى تجلياته الخيالية الشيطانية) (١). اهـ.