اختلف الأصوليون في حجية إلهام غير الأنبياء من المسلمين:
١ - ففرقة أثبتت حجيته مطلقًا:
وهم بعض الحبية (١)، وبعض الجبرية (٢)، وبعض الصوفية (٣)، وبعض الرافضة الجعفرية (٤)، ومعهم بعض الحنفية (٥).
٢ - وفرقة نفت حجيته مطلقًا:
_________________
(١) حكى أبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" ص (٣٩٩) عن بعضهم قولهم في الإلهام: "إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع من رسول الله -ﷺ-، وكذا حكاه عنهم ابن السمعاني في "قواطع الأدلة" (٥/ ١٢٠). والحبية: قوم زعموا أنهم أحباء الله عجبًا بأنفسهم، وأن الله يتجلى لقلوبهم ويحدثهم، فمِن أجل ذلك رأوا حديث أنفسهم حجة، انظر: "تقويم الأدلة" ص (٣٩٩).
(٢) نسبه إليهم ابن السبكي في "جمع الجوامع" (٢/ ٣٥٦)، والزركشي في "تشنيف المسامع مع شرح جمع الجوامع" (٢/ ١٥٩)، والولي العراقي في "الغيث الهامع شرح جمع الجوامع" (٣/ ٨١٩).
(٣) نسبه إليهم السمرقندي في "ميزان الأصول في نتائج العقول" ص (٦٧٩)، والزركشي في "البحر المحيط" (٦/ ١٠٣). وعليه بنى محمد أحمد المتمهدي السوداني دعوته قائلًا: "إن أمرنا ناشئ عن إلهام صائب مع المشورة المسنونة" اهـ. نقله عنه في "ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر" ص (٣٩٣)، ومِن قَبله ادعى ابن عربي أن ترتيب الفتوحات المكية "لم يكن لي من اختيار، ولا عن نظر فكري، وإنما الحق يملى لنا على لسان مَلَكَ الإلهام جميع ما نسطره" اهـ. من "الفتوحات المكية" (١/ ٢٨٧)، وهذا عين ما ادعاه الجيلي في كتابه "الإنسان الكامل"، حيث ادعى أنه أسسه على الكشف الصريح، وأن الله أمره بإبرازه، مع ما تضمنه من الإلحاد، والكفر، والتخليط، وانظر: "الفكر الصوفي" ص (١٤٩) وما بعدها، وانظر أيضًا: "كتب حذر منها العلماء" (١/ ٤٥).
(٤) نسبه إليهم صاحب "الميزان" ص (٦٧٩)، وانظر: "فواتح الرحموت" (٢/ ٤٢٢)، و"البحر المحيط" (٦/ ١٠٣).
(٥) كصاحب "مسلم الثبوت" وشارحه صاحب "فواتح الرحموت".
[ ١٧٤ ]
منهم القفال الشاشي (١)، وابن السبكي (٢)، والنسفي (٣)، وابن الهُمام (٤)، والشعراني (٥)، والكاكي (٦)، والألوسي، والسرهندي (٧).
٣ - وفرقة توسطت، فلم ينكروا أصله، وذهبوا إلى جواز العمل بالإلهام في غير العقائد، وقيدوا هذا الجواز بشروط ثلاثة:
الأول: ألا يوجد دليل شرعي في المسألة، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا غيرها من الأدلة المختلف فيها.
الثاني: أن يكون ذلك في باب المباح، دون أبواب الإيجاب والندب والتحريم والكراهة، فإنها لا بد فيها من دليل شرعي.
الثالث: أن يكون ذلك في حق الملهَم (٨) خاصة، ولا يدعو غيره إلى العمل بما أُلهم به.
وهؤلاء منهم أبو زيد الدبوسي، وابن السمعاني، والسجستاني، والسمرقندي، والرازي، وابن الصلاح، وابن النجار، وغيرهم.
قال أبو زيد: "قال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم" (٩). اهـ.
_________________
(١) نسبه إليه الزركشي في "البحر المحيط" (٦/ ١٠٣).
(٢) "جمع الجوامع" (٢/ ٣٥٦).
(٣) "العقائد النسفية وحواشيها" ص (٤١).
(٤) حيث قال في "تيسير التحرير": "الإلهام ليس بحجة مطلقًا، لإنعدام ما يوجب نسبته إلى الله تعالى" اهـ. (٤/ ١٨٥).
(٥) وله مصنف أسماه: "حد الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام"، كما حكاه عنه الألوسي في "روح المعاني" (١٦/ ١٧).
(٦) هو محمد بن محمد الخجندي البخاري قوام الدين الكاكي، الحنفي (ت ٧٤٩ هـ)، قال في "جامع الأسرار": "وإن كان الملهم وليًّا، فليس بحجة أصلًا" اهـ. (٥/ ١٤٣١).
(٧) "روح المعاني" (١٦/ ١٨).
(٨) أي الملهَم أو المحدَّث الذي يكون مستقيمًا معتصمًا بالكتاب والسنة حالًا ومآلًا.
(٩) "تقويم الأدلة" ص (٣٩٢).
[ ١٧٥ ]
وقال ابن السمعاني: "واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز، ويجوز أن يفعل الله -تعالى- بعبدٍ بلطفه كرامة له، ونقول في التمييز بين الحق والباطل من ذلك: إن كل ما استقام على شرع النبي -ﷺ- ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده، فهو مقبول، وكل ما لا يستقيم على شرع النبي -ﷺ- فهو مردود، ويكون ذلك من تسويلات النفس، ووساوس الشيطان، ويجب رده، وعلى أننا لا ننكر زيادة نور من الله كرامة للعبد، وزيادة نظر له" إلى أن قال: "فأما على القول الذي يقولونه -وهو أن يرجع إلى قلبه في جميع الأمور- فلا نعرفه" (١).
وقال ابن النجار: "إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها، لأنه ليس المراد الإيقاع في القلب بلا دليل، بل الهداية بالحق إلى الدليل" (٢). اهـ. وذلك كما قال أمير المؤمنين علي -﵁-: "إلا أن يؤتى الله
عبدًا فهمًا في كتابه" (٣).
* * *