قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "والمقصود أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة، أو رأوا وسمعوا أمورًا من الخوارق فِظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم.
والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم.
_________________
(١) "زاد المسلم" (٣/ ١٨٧).
[ ١٦٢ ]
والضُّلَّال من أهل القِبلة يرون من يعظمونه، إما النبي -ﷺ- وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت، وخرج منها النبي -ﷺ-، وعانقه هو وصاحباه
وأعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددًا كثيرًا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم لكنْ كثير من الناس يكذِّب بهذا، وكثير منهم إذا صدَّق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان" (١).
التنبيه الثَّالثُ: "لو فرضنا جدلًا أن الرسول -ﷺ- يمكن أن يعود بجسده الشريف أو روحه الطاهرﷺ- ليلقى بعض المسلمين، فإننا نجزم أن لقاءه هذا سيكون لتعزيز شريعته التي بثها في حياته لا لهدمها، فنتصور مثلًا في مثل التجاني أن يقول: (لا تكن أنت وأتباعك عبيدًا للاستعمار الفَرَنْسِيِّ ولا خدمًا للكفار، وقوموا بنصرة الدين، وجاهدوا في سبيل اللَّه).
وأما أن يأتي النبي -ﷺ- ليقول للتجاني: (أقطعتُكَ الجنة وأتباعك -ولو كانوا مجرمين فاسقين- وكل من رآك دخل الجنة، ولو كان كافرًا، وأمُرْ أتباعك أن يَدْعوك من دون اللَّه، ويشركوا بالله في كل شىء ) إلخ كلامه" (٢).
الرَّابعُ: يدعي التجانية أن النبي -ﷺ- لم يؤمر بتبليغ كل ما علمه، وأن ما لم يُبَلِّغْهُ في حياته يبلغه بعد وفاته لمن يلقاه من الخواص، قال
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٣٩٠ - ٣٩٢) بتصرف.
(٢) "الفكر الصوفي" ص (٣٦٠).
[ ١٦٣ ]
مؤلف "جوهر المعاني": "وسألته -﵁-: هل خَبَرُ سيدِ الوجود بعد موته كحياته سواء؟ فأجاب -﵁- بما نصه: الأمر العام الذي كان يأتيه عامًّا للأمة طوي بساط ذلك بموته -ﷺ-، وبقي الأمر الخاص الذي كان يلقيه للخاص، فإن ذلك في حياته، وبعد مماته دائمًا لا ينقطع" (١).
وقال مؤلف "الجيش الكفيل": "فإذا تقرر هذا علمتَ ضرورة أنه -ﷺ- لم يؤمر بتبليغ كل ما علمه، كيف وعنده علم الأولين والآخرين" (٢). اهـ.
وقال -أيضًا-: "وسئل: هل كان -ﷺ- عالمًا بفضل صلاة الفاتح لما أغلق؟ فقال: نعم، كان عالمًا به، قالوا: ولِمَ لَم يذكره لأصحابه؟ قال: لعلمه -ﷺ- بتأخير وقته، وعدم وجود من يظهره اللَّه على يديه في ذلك الوقت" (٣). اهـ.
فأين هؤلاء الظالمون المتعدون حدودَ اللَّه من قوله -تَعَالَى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]؟ وأين هم من قوله -تَعَالَى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]؟ وأين هم من تبري عليٍّ -﵁- من أن يكون -ﷺ- خصهم بشيء من العلم دون الناس، كما في حديث أبي جحيفه؟ (٤).
وإذا كان يلزم من كلام أولئك الضالين عدم انقطاع خبر السماء بوفاة رسول اللَّه -ﷺ- فلماذا قالت أم أيمن للشيخين -﵄-: "ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء"، فهيَّجَتْهما على
_________________
(١) "جوهر المعاني" (١/ ١٤٠).
(٢) "الجيش الكفيل بأخذ الثأر" ص (١١٠، ١١١).
(٣) "نفسه" ص (١١٠).
(٤) رواه البخاري، أرقام: (١١١)، (١٨٧٠)، (٣١٧٢)، وغيرها.
[ ١٦٤ ]
البكاء، فجعلا يبكيان معها (١)؟
وقد صح أن عمر -﵁- قال في بعض الأمور: "ليتني سألتُ رسولَ الله -ﷺ- عنه".
وأين هؤلاء من قول أم المؤمنين عائشة -﵂- لمسروق -﵀-: "من حدثك أن محمدًا -ﷺ- كتم شيئًا مما أنزل عليه، فقد كذب، واللَّه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية" (٢).
وقال الإمام أبو محمد بن حزم -﵀-: " واعلموا أن رسول الله -ﷺ- لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ابنة عم أو ابن عم أو صاحبٍ على شيء من الشريعة كَتَمَهُ عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده -﵇- سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلَّهم إليه، ولو كتمهم شيئًا لما بلَّغ كما أُمِر، ومن قال هذا: فهو كافر، فإياكم وكلَّ قول لم يبين سبيله، ولا وضح دليله، ولا تعوجوا عما مضى عليه نبيكم -ﷺ- وأصحابه -﵃-" (٣). اهـ.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١٦/ ٩، ١٠ - شرح النووي).
(٢) رواه البخاري (٨/ ٢٧٥ - فتح)، ومسلم (٣/ ٨، ٩ - شرح النووي).
(٣) "الفَصْل" (٢/ ١١٦).
[ ١٦٥ ]