[ ١٢٧ ]
دَعوَى رُؤيَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقَظَةً بَعدَ وَفَاتِهِ، وَالتَّلَقِّي عَنهُ مُبَاشَرَةً
"وكُلُّ مَن قَالَ إِنَّهُ رَأَى نَبِيًّا بِعَيْنِ رَأسِهِ، فَمَا رَأَى إِلا خَيَالًا" (١). شيخ الإسلام ابن تيمية
من عبث الصوفية بمصادر التلقي، وعدوانهم على المرجعية الشرعية العليا، أنهم ادَّعَوْا أنه يمكن للخواصِّ أن يلقوا رسولَ اللَّه -ﷺ- حال اليقظة، وأن يَتَلَقَّوْا عنه أحكامًا شرعيَّةً ملزمة؛ مما فتح البابَ على مصراعيه للكذِبِ الفاحش على رسول اللَّه -ﷺ-، وادِّعَاءِ إقراره وموافقته على كثير من الضلالات والبدع التي تَلَطَّخَ بها القوم.
لقد استدرج الشيطان الصوفية إلى الغلو المذموم في رسول اللَّه -ﷺ- وذلك عبر خطوات يُسلم بعضها إلى بعض، ومن هذه الخطوات:
١ - ما زعموه من خروج يده الشريفة -ﷺ- من قبره ليقبلها الشيخ أحمد الرفاعي (ت ٥٧٠ هـ).
فقد ادَّعى أبو الهدى الصيادي الرفاعي (٢) أن الشيخ أحمد الرفاعي لما حج، وقف تجاه الحجرة الشريفة، وأنشد:
في حالةِ البُعدِ روحي كنتُ أرسلُها تقبلُ الأرضَ عني وَهْيَ نائبتي
وهذه دولةُ الأشباحِ قد حَضَرَتْ فامدُدْ يمينَك كي تحظى بها شَفَتي
قال: "فخرجت إليه يده الشريفة من القبر، حتى قبَّلها، والناس ينظرون" (٣).
_________________
(١) "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ص (١٣٨).
(٢) في كتابه: "قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر" ص (٦٧، ٦٨).
(٣) ومن أدلة بطلان هذه الأكذوبة أن أصحاب كتب وتراجم الصوفية كالسبكي والشعراني وابن الملقن وابن خلكان والمناوي" لم يذكروا هذه الحادثة مع أنهم أقرب إلى عصر الرفاعي من الصيادي =
[ ١٢٩ ]
ويشبه ذلك: ما ادعاه الصيادي في قوله: ولما حج الرفاعي عام وفاته، وزار قبر النبي -ﷺ- ، أنشد قَائلًا:
إن قيل: زرتم بما رجعتم يا أشرفَ الرُّسْلِ ما نقول
فخرج صوت من القبر سمعه كل من حضر، وهو يقول:
قولوا رجعنا بكل خيرٍ واجتمع الفرعُ والأصول (١)
٢ - ثم تمادى الصوفية في التخبط، وساروا على نفس الدرب، ونسجوا على نفس المنوال، فأخذوا يختلقون القصص المشابهة: فذكروا أن إبراهيم الأعزب أنشد شعرًا عند قبر النبي -ﷺ-، فقال له النبي -ﷺ-: "بارك اللَّه بك، أنت منظور بعين الرضا" (٢).
وأن الشيخ عليًّا أبا الحسن الشاذلي استأذن في الدخول على رسول اللَّه -ﷺ- فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة يقول: "يا علي! ادخل" (٣).
وأن عبد القادر الجزائري وقف تجاه القبر، وقال: "يا رسول الله! عبدك
_________________
(١) = المتأخر، وقد ذكر تاج الدين السبكي في فضائله: "رأفته على الهرة والبعوضة والجرادة والكلب" كما في "طبقات الشافعية الكبرى" له (٦/ ٢٣)، ولم يتعرض لذكر الحادثة المزعومة، وترجم ابن خلكان للرفاعي -وهو قريب العهد به- ولم يذكر حادثة تقبيل اليد، وكذا فعل الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي، أضف إلى ذلك أنه لم يكن من هديه -ﷺ- في حياته أن يمد يده كي بقبلها من يسلم عليه. أما رسالة "الشرف المحتم فيما مَنَّ الله به على الرفاعي من تقبيل يد النبي ﷺ" المنسوبة إلى السيوطي، فلا تصح نسبتها إليه، بل هي مقتبسة من كلام الصيادي في كتابيه "قلادة الجواهر"، و"ضوء الشمس"، وانظر بيان ذلك في "الرفاعية" للشيخ عبد الرحمن دمشقية ص (٤٩، ٥٠).
(٢) "قلادة الجواهر" ص (١٠٤)، و"ضوء الشمس في قول النبي: بُني الإسلام على خمس" (١/ ١٧٦)، والعجيب أنه هنا يخاطب النبي -ﷺ- بالشعر، ويجيبه -ﷺفي زعمه- بالشعر، مع قوله الله تعالى في حقه -ﷺ-: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].
(٣) "ترياق المحيين" لتقي الدين الواسطي ص (٦٩).
(٤) "أبو الحسن الشاذلي" للدكتور عبد الحليم محمود ص (٧٩).
[ ١٣٠ ]
ببابك، كلبك بأعتابك، نظرة منك تغنيني يا رسول اللَّه، عطفة منك تكفيني"، فقال له الرسول -ﷺ-: "أنت ولدي، ومقبول عندي بهذه السجعة المباركة" (١).
٣ - ثم ترقوا إلى أبعد من ذلك، بادعاء أن النبي -ﷺ- يخرج من قبره، ويلتقي مشايخهم، وأنهم يرونه يقظة لا منامًا في الدنيا، ويتلقون عنه.
قال الشعراني (٢): قال أبو المواهب الشاذلي: "رأيت رسول الله -ﷺ-، فقال لي عن نفسه: لست بميت، وإنما موتي تستري عمن لا يفقه عن الله، فها أنا أراه ويراني" (٣).
وقال: كان أبو المواهب كثير الرؤيا لرسول اللَّه -ﷺ-، وكان يقول: قلت لرسول اللَّه -ﷺ-: إن الناس يكذِّبونني في صحة رؤيتي لك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا".
وهذا منقول من خط الشيخ أبي المواهب (٤).
وقال أيضًا: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- فسألته عن الحديث
_________________
(١) "جامع كرامات الأولياء" ليوسف بن إسماعيل النبهاني (٢/ ١٠٠)، ويا عجبًا! كيف يثني النبي -ﷺ- على هذه "السجعة المباركة"، وقد وصَّى ابنُ عباس -﵄- مولاه عكرمة، فقال: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه، فإني عهدتُ رسول الله -ﷺ- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب". رواه البخاري (١١/ ١٣٨)، وترجم له: "باب ما يُكره من السجع في الدعاء". وكان عروة بن الزبير إذا عُرِض عليه دعاءٌ فيه سجع منسوبًا إلى النبي -ﷺ- وأصحابه، قال: "كذبوا، لم يكن رسول الله -ﷺ- ولا أصحابه سجَّاعين"، كما في "الحوادث والبدع" للطرطوشي ص (١٥٧).
(٢) عبد الوهاب بن أحمد الشعراني صاحب "الطبقات الكبرى" و"الصغرى" في تراجم الصوفية، و"الجواهر في عقائد الأكابر"، توفي سنة (٩٧٣ هـ).
(٣) "الطبقات الكبرى" للشعراني (٢/ ٦٩).
(٤) "نفسه" (٢/ ٦٧).
[ ١٣١ ]
المشهور: "اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون"، وفي صحيح ابن حبان:
"أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا: مجنون" (١)، فقال -ﷺ-: "صدق ابن حبان في روايته، وصدق راوي اذكروا اللَّه، فإني قلتهما معًا، مرة قلت هذا، ومرة قلت هذا" (٢).
وزعم بعض تلامذة خوجلي بن عبد الرحمن: "أن شيخهم يرى النبي -ﷺ- كل يوم أربعًا وعشرين مرة، والرؤيا يقظة" (٣).
وقال العلَّامة محمود شكري الألوسي -رحمه الله تعالى- في سياق إنكار غلو الصوفية في حق النبي -ﷺ-: (ومن ذلك دعواهم لرؤياه -ﷺ- بعد وفاته، فقد ادعاها غير واحد منهم، وادعوا أيضًا الأخذ منه يقظة، قال الشيخ سراج الدين ابن الملقن في "طبقات الأولياء" في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهرملكي: كان كثير الرؤية لرسول الله -ﷺ- يقظة ومنامًا، فكان يقال: إن أكثر أفعاله يتلقاه منه -ﷺ- يقظة ومنامًا، ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة، قال له في إحداهن: يا خليفة! لا تضجر مني، فكثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي ..) (٤).
* * *
ولما كانت الفرقة التِّجانية ممن روَّج لهذه الفكرة، ودَافَعَ عنها، انبرى بعض الغيورين من أهل العلم والسنة لدحض افترائهم، ورد عدوانهم، ومنهم الشيخ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٦٨)، وابن حبان (٣/ ٩٩ - إحسان) رقم (٨١٧)، واسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم، وصححه الحاكم (١/ ٤٩٩)، وقال الذهبي في غير موضع عن دراج: "إنه كثير المناكير"، وانظر: "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٥، ٧٦).
(٢) "الطبقات الكبرى" للشعراني (٢/ ٧٠).
(٣) "الطبقات في خصوص الأولياء الصالحين والعلماء والشعراء في السودان" لمحمد النور بن ضيف الله.
(٤) "غاية الأماني في الرد على النبهاني" ص (٥٠، ٥١).
[ ١٣٢ ]
علي بن محمد الدخيل الله في بحثه القيم: "التجانية"، الذي نلخص منه الفصل التالي (١).