١ - لو سلمنا جدلًا -وهو محال- أن النبي -ﷺ- يُرى يقظة، فالحق أنه لا عمل إلا بالكتاب والسنة، والسنة هي ما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول، أو فعل، أو تقرير، أو وصف، وما ادعاه التجانيون من الإخبار عن النبي -ﷺ- يقظة بعد موته، فليس داخلًا في تعريف السنة، فلا يمكن إن يسمى حديثًا مرفوعًا، ولا موقوفًا، ولا مرسلًا، ولا مضطربًا، ولا شاذًّا.
قال محمد الخضر الشنقيطي: "فإن كانت مرفوعة متصلة الإسناد، كما يقول صاحب المنية:
وَكُلُّ مَا يُرْوَى فَعَنْ خَيْرِ الْوَرَى مُتَرْجَم لَفَظُهُ بِالأَمْرِ (١).
فعلى هذا يكون ما قالوه وحيًا مرويًّا عن النبي -ﷺ-؛ لقوله -تَعَالَى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، ويكون هو صحابيًّا، والناقلون عنه تابعين، أو تكون غير مرفوعة متصلة الإسناد؛ لاستحالة وجود الصحابة في القرن الثاني عشر، فتكون مروية عن النبي -ﷺ- مباشرة، وهذا غير معقول، اللهم، إلا أن يقولوا: إن شريعتهم لما كانت مخترعة غير داخلة تحت قانون شرعي، وجب أن يُخترعَ لها اصطلاح غير داخل في اصطلاح المُحَدِّثين" (٢).
٢ - إنه يشترط فيما روي عن النبي -ﷺ- في حياته صحة السند، وعدالة الرواة، فكيف برؤى لا نشك في بطلانها؛ لمخالفتها للأدلة النقلية والعقلية.
_________________
(١) "منية المريد" ص (٧).
(٢) "مشتهي الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني" ص (٤٤، ٤٥).
[ ١٥٩ ]
٣ - إن اتصال النبي -ﷺ- بالناس قد انقطع بوفاته؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنَّة، فمن ذلك حديث ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيُقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ - إلى قوله ﴿الْحَكِيمُ﴾ " (١) [المائدة: ١١٧، ١١٨].
قال الألوسي: "ومعني الجملتين: أني مادمت فيهم كنت مشاهدًا لأحوالهم؛ فيمكن لي بيانها، فلما توفيتني كنت أنت المشاهد لها لا غيرك، فلا أعلم حالهم، ولا يمكنني بيانها" (٢).
ففي الحديث -كما ترى- تصريح بانقطاع الاتصال بين الرسول -ﷺ- وبين الناس بعد مماته.
وقال ابن القيم: "فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني، ولدني شيطاني، والمِحَكُّ هو الوحي، ولا وحي بعد رسول اللَّه -ﷺ-" (٣).
٤ - وقد اختلف الأصوليون: هل يجوز للرسول -ﷺ- تأخير البيان إلى وقت الحاجة، أو لا يجوز له ذلك؟ أما تأخير البيان إلى ما بعد وفاته -ﷺ- فلم يقل به عاقل فضلًا عن عالم مُنْصِفٍ يطلب الحق، ويتحرى الحقيقة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦/ ٣٦٨، ٣٨٧ - فتح)؛ ومسلم (١٧/ ١٩٤ - نووي)، وراجع التعليق عليه ص (٥٨ - ٦٠).
(٢) "روح المعاني" (٧/ ٦٩).
(٣) "مدارج السالكين" (٢/ ٢٦١).
[ ١٦٠ ]
٥ - وسُئل الشيخ التجاني: "أيُكذَبُ عليك؟ قال: نعم، إذا سمعتم عني شيئًا فزنوه بميزان الشرع، فما وافق فاعملوا به، وما خالف فاتركوه" (١).
قُلْتُ: وقد عرضنا ذلك على الكتاب والسنة، فبان بطلانه وبعده عن الحق؛ فوجب عليهم رده أخذًا بوصية شيخهم، كيف لا، وقد بان لهم الدليل؟ (٢).
* * *
_________________
(١) "الانتصاف" (١/ الحلقة الثالثة) لمحمد الحافظ التجاني.
(٢) انتهى بتصرف من "التجانية: دراسة لأهم عقائد التجانية على ضوء الكتاب والسنة" ص (١٢٥ - ١٤٩)، للشيخ علي بن محمد الدخيل الله -طبعة دار طيبة- الرياض.
[ ١٦١ ]