فقد يطلع الأحياء من خلال الرؤى على أحوال الأموات، وقد يفيد هذا في معرفة ما هم فيه من الكرامة والنعيم، أو المرارة والعذاب الأليم، وربما تعين الرؤية على استدراك ما فاتهم من الطاعات، وجبران ما عليهم من التبعات، وقد يخبرون عن سبب ما هم فيه من الآلام.
عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، قال: "تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها" (١).
وعن جابر -﵁- "أنَّ الطفيل بن عمرو الدَّوْسِيَّ أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومَنَعَةٍ؟ (قال: حصن كان لِدَوْسٍ في الجاهلية) فأبى ذلك النبيُّ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي -ﷺ- إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا (٢) المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مَشَاقِصَ (٣) له، فقطع بها براجِمه (٤)، فشخبت (٥) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه -ﷺ-، فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدتَ، فقصها الطفيل
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ١١٦، ١١٧) (١٢٢)، وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". اهـ. من "مجمع الزوائد" (٧/ ١٠٠).
(٢) اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة. "النهاية" (١/ ٣١٨).
(٣) المشقص: نَصْل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. "النهاية" (٢/ ٤٩٠).
(٤) البراجم: هي العقد التي في ظهور الأصابع. "النهاية" (١/ ١١٣).
(٥) الشَّخْب: السيلان.
[ ٨٦ ]
على رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: اللهم وليديه فاغفر" (١).
كما أنها طريق إلى الاطلاع على أحوال الأقارب والأحباب الأحياء في مكان ما من العالم، فقد يتعرف النائم على أخبار حبيبه الذي غاب عنه من خلال الرؤيا في المنام. عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أنَّ أباه قال: "رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة النبي -ﷺ-، فأخبره بذلك، فقال: إنَّ الروح ليلقى الروح، وأقنع النبي -ﷺ- رأسَه هكذا، قال عفان برأسه إلى خلفه، فوضع جبهته، على جبهة النبي -ﷺ-" (٢).
وإليك هذه القصة الواقعية التي أوردها الشيخ محمد بن عبد العزيز، قال: هذه القصة ذكرها الواعظ المشهور "صالح المالك" في موعظة له في المسجد، نقلًا عن رجل كان من الحاضرين أشار إليه في بداية روايته لهذه القصة:
(شيخ كبير في السن كان سببًا في هداية أسرة كاملة، كانت غافلة لاهية تقضي معظم وقتها أمام شاشة التلفاز لمشاهدة الصور المحرمة ومسلسلات الحب والغرام والهيام، فما هي تفاصيل القصة؟ .. لنترك المجال لهذا الشيخ الكبير ليحدثنا عن التفاصيل، يقول:
في يوم من أيام شهر رمضان المبارك كنت نائمًا في المسجد بعد صلاة الظهر، فرأيت فيما يرى النائم رجلًا أعرفه من أقاربي قد مات -ولم أكن أعلم أن في بيته تلفازًا- جاءني، فضربني بقدمه ضربة كدت أُصرع من ضربته، وقال لي:
_________________
(١) رواه البخاري في "الأدب المفرد" ص (١٢٥)، ومسلم -واللفظ له- (١/ ١٠٨، ١٠٩) رقم (١٨٤)، وغيرهما.
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٤/ ٣٨٤) (٧٦٣١)، والإمام أحمد (٥/ ٢١٤ - ٢١٦)، وابن حبان (٩/ ١٤٠) (٧١٠٥)، والحاكم (٣/ ٣٩٦)، وسكت عليه هو والذهبي، وقال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقاث". اهـ. من "المجمع" (٧/ ١٨٢)، وصححه شعيب الأرناؤوط في "تحقيق شرح السنة" (١٢/ ٢٢٥).
[ ٨٧ ]
"يا فلان، اذهب إلى أهلي، وقل لهم: يخرجون التلفاز من بيتي".
قال الشيخ: وكنت أرى هذا التلفاز في بيته، وكأنه كلب أسود، والعياذ بالله .. قال: فاستيقظت من نومي مذعورًا، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم، وعدت إلى نومي .. فجاءني في المنام مرة ثانية، وضربني ضربة أقوى من الأولى، وقال لي: "قم، واذهب إلى أهلي، وقل لهم: يخرجون التلفاز من بيتي، لا يعذبونني به". قال: فاستيقظت مرة ثانية، وهممت أن أقوم، ولكني تثاقلت، وعدت إلى نومي، فجاءني في المرة الثالثة، وضربني في هذه المرة ضربة أعظم من الضربتين الأوليين، وقال لي: "يا فلان قُمْ! .. اذهب إلى أهلي، وقل لهم يُخَلِّصونني مما أنا فيه خلَّصك الله". قال: فاستيقظت من نومي، وعلمت أن الأمر حقيقة، فلما صليت التراويح من ذلك اليوم؛ ذهبت إلى بيت صاحبي -وهو قريب لي- فلما دخلت إذا بأهله وأولاده قد اجتمعوا عليه ينظرون إليه، وكأن على رؤوسهم الطير، فجلست، فلما رأوني، قالوا مستغربين: "ما الذي جاء بك يا فلان في هذا الوقت فليس هذا من عادتك؟ " قال: فقلت لهم: "جئت لأسألكم سؤالًا فأجيبوني عليه .. لو جاءكم مخبر، وأخبركم أن أباكم في نار جهنم، أو يُعذب في قبره هل ترضون بذلك؟ قالوا: "لا .. ندفع كل ما نملك مقابل نجاة أبينا من العذاب".
قال: فأخبرتهم بما رأيته في المنام من حال أبيهم، فانفجروا جميعًا بالبكاء، وقام كبيرهم إلى ذلك الجهاز "التلفاز"، وكسَّره تكسيرًا أمام الجميع معلنًا التوبة
ولكن القصة لم تنته بعد ..
قال الشيخ: فرأيته بعد ذلك في النوم؛ فقال لي: "خَلَّصك الله كما خلصتني" (١).
_________________
(١) "العائدون إلى الله" ص (٨١ - ٨٣).
[ ٨٨ ]