وفيما يلي قصة "منامٍ" لوَّح به الشيخ عبد القادر العيدروس في كتابه "تعريف
_________________
(١) هو طاهر بن رضى الإسماعيلي القزويني الذي أمر بقتله إسماعيل بن الحيدر الصفوي سلطان الفرس، فخرج من بلاده، وقدم الهند، ثم استقدمه برهان شاه، وبنى له مدرسة يدرس بها، وكان يحضر دروسه العلماء كلهم، ويحضر برهان شاه أيضًا لميله إلى العلم، ويجلس عنده إلى آخر البحث، حتى إنه كان يحقن الماء في البطن، ولا يخرج من ذلك المجلس لقضاء الحاجة.
(٢) أي أئمة الرافضة الاثنى عشر.
(٣) "المختار المصون من أعلام القرون" (٢/ ٨٤٦)، وانظر: "فرق الهند" ص (٥٧٩، ٥٨٠).
[ ٣٦ ]
الأحياء بفضائل الإحياء"، ورفعها كعصا يهدد بها كل من ينكر -على أبي حامد الغزالي، وعلى "إحيائه"؛ حيث قال:
"وذكر اليافعي أن أبا الحسن بن حرزهم الفقيه المشهور المغربي -كان بالغَ في الإنكار على كتاب (إحياء علوم الدين) - وكان مُطَاعًا مسموع الكلمة، فأمر بجمع ما ظفر به من نسخ (الإحياء)، وهَمَّ بإحراقها في الجامع يوم الجمعة، فرأى ليلة تلك الجمعة كأنه دخل الجامع، فإذا هو بالنبي -ﷺ- فيه، ومعه أبو بكر وعمر -﵄- والإمام الغزالي قائم بين يدي النبي -ﷺ-، فلما أقبل ابن حرزهم قال الغزالي: (هذا خصمي يا رسول اللَّه، فإن كان الأمر كما زعم تُبْتُ إلى اللَّه، وإن كان شيئًا حصل من بركتك، واتباع سنتك، فخذ لي من خصمي)، ثم ناول النبي -ﷺ- كتاب "الإحياء"، فتصفحه النبي -ﷺ- ورقة ورقة، من أوله إلى آخره، ثم قال: (واللَّه إن هذا لشيء حسن).
ثم ناوله الصِّدِّيق -﵁-، فنظر فيه، فاستجاده، ثم قال: (نعم، والذي بعثك بالحق إنه لشيء حسن)، ثم ناوله الفاروق عمر -﵁-، فنظر فيه، وأثنى عليه، كما قال الصِّدِّيق، فأمر النبي -ﷺ- بتجريد الفقيه علي بن حرزهم عن القميص، وأن يُضْرَبَ ويُحَدَّ حدَّ المفتري، فجُرِّد وضُرِبَ، فلما ضُرِبَ خمسة أسواط تَشَفَّعَ فيه الصدِّيقُ -﵁-، وقال: (يا رسول اللَّه، لعله ظن فيه خلاف سنتك، فأخطأ في ظنه)، فَرَضِيَ الإمام الغزالي، وقبل شفاعة الصِّدِّيق، ثم استيقظ ابن حرزهم، وأثَرُ السياط في ظهره، وأعلم أصحابَهُ، وتاب إلى اللَّه عن إنكاره على الإمام الغزالي واستغفر، ولكنه بقي مدة طويلة متألمًا من أثر السياط" (١).
وهذا الحُلْم مما يُقطع ببطلاْنه، وكذبه؛ وذلك لما تضمنه "الإحياء" من
_________________
(١) "تعريف الأحياء بفضائل الإحياء" ملحق بآخر "الإحياء"، وانظر: "طبقات الشافعية" للسبكي (٤/ ١٣١، ١٣٢).
[ ٣٧ ]
الضلالات والطامَّات (١)، وهو الذي يقول فيه الإمام أبو بكر الطُّرطوشي - ﵀-: "شحن أبو حامد (الإحياء) بالكذب على رسول الله -ﷺ-، فلا أعلم كتابًا على بَسِيطِ الأرض أكثرَ كذبًا منه" (٢)، ولذلك أفتى علماء الدولة المرابطية بتحريقه.
- ومن ذلك ما رواه ابن عساكر -﵀- بسنده إلى أبي الفتح الساوي: "أنه كان في المسجد الحرام، فغلبه النوم، فرأى عَرْصَة (٣) واسعة فيها ناس كثيرون واقفين، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد، قد تحلقوا كلهم على رسول اللَّه -ﷺ-، يَعْرِضُونَ أن يقرءوا عليه من كتبهم، إلى أن قال: فلما رأيت أن القوم قد فرغوا، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئًا، تقدمت قليلًا، وكان في يدي كتاب مُجَلَّدٌ، فناديت، وقلت: (يا رسول اللَّه، هذا الكتاب معتقدي، ومعتقد أهل السنة، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك؟) فقال: (وأَيْشِ ذاك؟) قلت: (يا رسول اللَّه، هو "قواعد العقائد" الذي صَنَّفَهُ الغزالي)، فَأَذِنَ لي في القراءة، فقعدت وابتدأت، وقرأت عليه الكتاب) (٤).
وليت شِعري كيف يمثل "قواعد العقائد" عقيدة أهل السنة والجما عة، وهو كتاب مبني على المذهب الأشعري (٥)، وقد شُحِن بأساليب علم الكلام الذي ذمَّه السلف، ونَفَّروا منه، وهو كتاب يحوم حول شرح صفات المعاني السبع: الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، كما أنه مُشْتَمِل على الجوهر، والعَرَض، ونحوهما من عبارات المتكلمين المبتدعة، فما كان هذا شأنه يستحيل أن يرضى عنه أويقبله رسول اللَّه -ﷺ-.
_________________
(١) راجع في بيانها مفصلة "أبو حامد الغزالي والتصوف" للشيخ عبد الرحمن دمشقية - ط. دارطيبة - الرياض.
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٩/ ٣٢٨).
(٣) العَرْصَةُ: ساحةُ الدار، والبقعة الواسعة بين الدور لا بناء فيها.
(٤) انظر: "تبيين كذب المفتري" ص (٢٩٧ - ٢٩٩).
(٥) انظر: "الأشاعرة في ميزان أهل السنة" لفيصل الجاسم، المبرة الخيرية - الكويت، "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" للدكتور عبد الرحمن المحمود -مكتبة الرشد- الرياض.
[ ٣٨ ]