كما يزعم التجانيون أنهم يرون النبي -ﷺ- يقظة، فإنهم يزعمون أنهم يستفتونه ويسألونه عن أمور دينهم ودنياهم، ويتلقون منه الأوراد، ويصحح لهم الأحاديث، فيعملون بذلك (١)، وفيما يلي بعض النصوص الدالة على ذلك، وهذه النصوص منها ما يدل على اعتقادهم ذلك، ومنها ما يدل على تطبيقهم لهذا الاعتقاد.
فمما يدل على اعتقادهم ذلك:
ما جاء في "بغية المستفيد" " عن الشيخ أحمد الزواوي كان يقول: طريقنا أن نكثر من الصلاة عليه -ﷺ- حتى نصير من جلسائه، ونصحبه يقظة مثل أصحابه، ونسأله عن أمور ديننا، وعن الأحاديث التي ضعفها الحفاظ عندنا، ونعمل بقوله فيها" (٢). اهـ.
وأما ما يدل على تطبيقهم ذلك؛ فمنه:
١ - قول مؤلف "جواهر المعاني" عن الصلاة المسماة "بياقوتة الحقائق":
"هي من إملاء رسول اللَّه -ﷺ- من لفظه الشريف على شيخنا يقظة لا منامًا" (٣).
_________________
(١) ولا شك أنه يترتب على هذه الدعاوى آثار خطيرة لأنها تفتح باب تحريف الدين والابتداع فيه على مصراعيه، وكأن القوم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، بل تفتح باب الفتن وإراقة الدماء كما تراه واضحًا في سيرة المهدي السوداني وغيره ممن حاولوا إضفاء الشرعية على بدعهم وتسويغ أفعالهم بأنها تأتي استجابة لتكليف مباشر من الرسول -ﷺ-.
(٢) "بغية المستفيد" ص (٧٩).
(٣) "جواهر المعاني" (٢/ ٢٢٨).
[ ١٥٦ ]
٢ - ومن تلك الأوراد التي أملاها الرسول -ﷺ- لأحمد التجاني -كما زعموا- صلاة "جوهرة الكمال"، التي جاء في فضلها ما يلي:
قال محمد سعد الرُّباطابيُّ: "وأما جوهرة الكمال فهي من إملاء رسول الله -ﷺ- لسيدنا الشيخ -﵁- يقظة لا منامًا، فمن فضلها: أن المرة الواحدة منها تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات بشرط الطهارة المائية، وأن من لازمها كل يوم سبع مرات يحبه النبي -ﷺ-، وأن النبي -ﷺ- والخلفاء الأربعة يحضرون مع الذاكر عند السابعة منها، ولا يفارقونه حتى يفرغ من ذكرها" (١).
٣ - ويقول التجاني عن فضل صلاة "الفاتح لما أُغلِق": "لما أمرني -ﷺ- بالرجوع إليها سألته عن فضلها؟ فأخبرني أن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيًا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر، ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة" (٢).
٤ - وقال أيضًا مؤلف "جواهر المعاني": " سأل سيدَ الوجود، وعَلَمَ الشهود -ﷺ- في كل نفس مشهود، عن نسبه، وهل هو من الأبناء والأولاد، أو من الآل والأحفاد؟ فأجابه -ﷺ- بقوله: (أنت ولدي حقًّا)، كررها ثلاثًا -ﷺ-، وقال: (نسبك إلى الحسن بن علي صحيح)، وهذا السؤال من سيدنا -﵁- لسيد الوجود يقظة لا منامًا، وبشره -ﷺ- بأمور عظام جسام صلى اللَّه عليه، وسلَّم، وشرف، وكرَّم، ومجَّد، وعظَّم" (٣).
وقال -أيضًا- فيما يرويه عن شيخه التجاني: قال: رأيته مرة -صلى اللَّه
_________________
(١) "شروط وأحكام أوراد الطريقة التجانية" ص (٢٥).
(٢) "جواهر المعاني" (١/ ١٣٦).
(٣) "نفسه" (١/ ٣٠، ٣١).
[ ١٥٧ ]
عليه وسلم-، وسألته عن الحديث الوارد في سيدنا عيسى -﵇- قلت له: ورد عنك روايتان صحيحتان، واحدة قلت فيها: "يَمْكُثُ بَعْدَ نُزُولهِ أَرْبَعِينَ، وقلت في الأخرى: سَبْعًا، ما الصحيحة منها؟ " قال -ﷺ-: "رواية السبع" (١).
ومثل هذا ما قاله ابن حجر الهيتمي: "وقد حكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه، فروى ذلك الفقيه حديثًا، فقال له الولي: هذا الحديث باطل، قال: ومن أين لك هذا؟ قال: هذا النبي -ﷺ- واقف على رأسك، يقول: إني لم أقل هذا الحديث، وكُشِف للفقيه فرآه" (٢).
ومثله ما حكاه الشعراني: أن النبي -ﷺ- زار جلال الدين السيوطي في بيته يقظة لا منامًا، وأنه جعل يقرأ الأحاديث بين يديه -ﷺ- وهو يسمع.
قال الشعراني: "أخبرني الشيخ سليمان الخضيري قال: بينا أنا جالس في الخضيرية على باب الإمام الشافعي -﵁- إِذْ رأيت جماعة عليهم بياض، وعلى رؤوسهم غمامة من نور، يقصدونني من ناحية الجبل، فلما قربوا مني فإذا هو النبي -ﷺ- وأصحابه، فقبَّلت يده، فقال النبي -ﷺ-: "امض معنا إلى الروضة"، فذهبت مع النبي -ﷺ- إلى بيت الشيخ جلال الدين، فخرج إلى النبي -ﷺ-، وقبَّل يده، وسلَّم على أصحابه، ثم أدخله الدار، وجلس بين يديه، فصار الشيخ جلال الدين يسأل النبي -ﷺ- عن بعض الأحاديث، وهو -ﷺ- يقول: هاتِ يا شيخَ السُّنة" (٣).
_________________
(١) "نفسه" (١/ ٥٥).
(٢) "الفتاوى الحديثية" ص (٢١٧).
(٣) "الطبقات الصغرى" للشعراني ص (٢٨، ٢٩).
[ ١٥٨ ]