الدَّرَجَةُ الأُولَى: نَبَأ يقع وحيًا قاطعًا مقرونًا بسماع؛ إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن، فليس كل خبر نبأ، وهو نبأ خبر عن غيب معظم.
ويريد بالوحي والإلهام: الإعلام الذي يقطع من وَصَلَ إليه بموجبه، إما بواسطة سمع، أو هو الإعلام بلا واسطة.
قلت: أما حصوله بواسطة سمع، فليس ذلك إلهامًا، بل هو من قبيل الخِطاب، وهذا يستحيل حصوله لغير الأنبياء، وهو الذي خُصَّ به موسى؛ إذ كان المخاطِبُ هو الحق -﷿-.
وأما ما يقع لكثير من أرباب الرياضات من سماع؛ فهو من أحد وجوه ثلاثة، لا رابع لها؛ أعلاها: أن يخاطبه الملَكُ خطابًا جزئيًّا، فإن هذا يقع لغير الأنبياء؛ فقد كانت الملائكة تخاطب عمران بن حصين بالسلام، فلما اكتوى تركت خطابه، فلما ترك الكي عاد إليه خطاب ملكي؛ وهو نوعان:
أحَدُهُمَا: خطابٌ يسمعه بأذنه، وهو نادر بالنسبة إلى عموم المؤمنين.
وَالثَّانِي: خطاب يُلْقَى في قلبه يُخَاطِبُ به الملك روحه، كما في الحديث
المشهور: "إنَّ لِلْمَلَكِ لمَّة بقَلْبِ ابْنِ آدَمَ، وللشَّيْطَانِ لَمَّةًْ، فلَمَّةُ الْمَلكِ: إيعَادٌ
بالخَيْرِ، وتَصْدِيقٌ بالْوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطَانِ: إيعَادٌ بالشَّرِّ، وتكذيبٌ بالْوَعْدِ" (١)،
ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال -تَعَالَى-: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، قيل في تفسيرها: قَوُّوا قلوبهم، وبشِّرُوهُمْ بالنصر. وقيل: احضُروا معهم القتال، والقولان حق؛ فإنهم حضروا معهم القتال، وثبَّتُوا قلوبهم.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٧٠) هامش رقم (١).
[ ١٨١ ]
ومن هذا الخطاب: واعظ اللَّه -﷿- في قلوب عباده المؤمنين؛ كما في "جامع الترمذي"، و"مسند أحمد" من حديث النَّواس بن سمعان، عن النبي -ﷺ- قال: "إنَ اللَّهَ -تَعَالَى- ضَرَبَ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى كَنَفَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو على رَأسِ الصِّرَاطِ، وَدَاع يَدْعُو فَوْقَ الصِّرَاطِ، فالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ الإسْلَامُ، والسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، والأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَلَا يَقَعُ أحَدٌ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ حتَّى يَكْشِفَ السِّتْرَ، والدَّاعِي عَلَى رأسِ الصِّراطِ: كِتَابُ اللَّهِ، والدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ"، فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهامُ الإلهي بواسطة الملائكة.
وأما وقوعه بغير واسطة: فمما لم يتبيَّنْ بعد، والجزم فيه بنفي أو إثبات موقوف على الدليل، واللَّه أعلم.