١ - إن هذا الرد يلزمنا لو كنا نستدل على عدم إمكان الرؤية يقظة باستبعاد القدرة على ذلك، معاذ اللَّه! والذين ينكرون رؤية النبي -ﷺ- يقظة بعد موته في الدنيا هم مِن أعلم الناس بقدرة الله -تَعَالَى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فالله -تَعَالَى- قادر على أن يجعل عباده كلَّهم مؤمنين: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، كما أنه قادر على أن يجعل المبتدع سنيًّا ملتزمًا، ولكن هكذا شاء اللَّه -﷿-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
فمن اعتقد أن النبي -ﷺ- لا يُرى يقظة بعد موته في
_________________
(١) قال الهيثمي: "رواه عبد الله، وأبو يعلى في (الكبير)، ورجالهما ثقات". اهـ. من "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٣٢).
[ ١٤٣ ]
الدنيا، فقد بنى ذلك على أن هذه المسألة من المسائل الاعتقادية -لا أنه منكر لقدرة الله- والأصل في الأمور الاعتقادية الحظر، حتى يرد دليل يرفع هذا الحظر، وليس هناك دليل شرعي معتبر يرفع هذا الحظر، بل دلَّ الشرع والعقل على خلاف ذلك.
٢ - إن قدرة اللَّه -تَعَالَى- متعلقة بكل شيء؛ إذ هو القادر على كل شيء -سبحانه- فلا تلازمَ إذن بين قدرة اللَّه -تَعَالَى- وبين رؤية النبي -ﷺ- يقظة بعد موته في الدنيا؛ إذ لو قلنا بذلك، للزم من هذا القولِ إباحةُ جميع المحرمات، وتحريمُ جميع المباحات، وإلغاء جميع الشرائع، وإفساد العباد والبلاد؛ لأنَّ اللَّه قادر على ذلك جميعًا، فمن الممكن أن نبيح الفاحشة؛ لأن إباحتها داخلة تحت قدرة اللَّه، ومن الممكن أن نحرم الصلاة؛ لأن تحريمها داخل تحت قدرة اللَّه، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم، واللَّه أعلم.
٣ - إن رؤية النبي -ﷺ- يقظة بعد موته في الدنيا قد أنكرها جمع غفير من العلماء والأئمة؛ كابن حجر العسقلاني، وأبي بكر بن العربي، وابن تيمية، والألوسي، وغيرهم، فهل معنى هذا أنهم يجهلون قدرة اللَّه -﷿-؟! ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
٤ - إن ما استدل به "محمد الحافظ" من إمكان رؤية النبي -ﷺ- يقظة بعد موته في الدنيا، قياسًا على رؤية النبي -ﷺ- للأنبياء ليلة الإسراء يقظة في الدنيا؛ لا يصح، وبيان ذلك:
١ - أن الإسراء والمعراج كانا معجزة للنبي -ﷺ- خاصة لا يقاس عليها غيرها.
ب- أن رؤية النبي -ﷺ- يقظة بعد موته في الدنيا أمر من أمور الاعتقاد لا يجوز فيها القياس؛ لأنها توقيفية.
٥ - أن كل ما ذكره من الآثار فغاية ما فيها رؤى منامية، وهذه ثابتة للنبي
[ ١٤٤ ]
-ﷺ- ولسائر أُمته في الأحاديث الصحيحة (١)، والنزاع في اليقظة لا في المنام.
٦ - قوله: " وهذا يثبت أن روح الحي تجتمع بأرواح الأموات في النوم، والذي يجمعهم في النوم يجمعهم في اليقظة، والجميع في العالَم تحت سلطانه".
يُجاب عنه من وجهين:
ا- أن هذا القياس لا يصح؛ لأن الرؤية في النوم قد جاءت بذكرها الأحاديث الصحيحة بخلاف رؤية اليقظة؛ فقد دل الشرع والعقل على خلافها، فلا يصح قياس ما دلَّ الدليل علي منعه على ما دل الدليل على إثباته.
ب- أن قوله: " والذي يجمعهم في النوم يجمعهم في اليقظة، والجميع في العالم تحت سلطانه" غاية ما فيه الاستدلال بعموم قدرة اللَّه -تَعَالَى-، وقد سبق الجواب عنه.