ذكر جماعة من أهل العلم منهم أبو إسحاق الإسفراييني أن من رأى النبي صلى الله عليه وأله وسلم في المنام وأمره بأمر يلزمه العمل به، ويكون قوله حجة (١).
وقد أبى جمهور العلماء هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤيا إذا خالف الشريعة مردود، وإن وافقها فهو أمارة يؤتنس بها، وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، وهاك بعضَ نصوصِهم:
- قال شيخ الاسلام ابن تيمية -﵀-: "الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها؛ لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق" (٢).
ونقل ابن مفلح عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قال: "الإسرائيليات والمنامات لا يجوز أن يثبت بها حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز ذكره في الترغيب والترهيب فيما لو عُلِم حُسْنُه أو قُبْحه بأدلة الشرع؛ فإنه ينفع ولا يضر، واعتقاد موجبه قدر ثواب وعقاب يتوقف على الدليل الشرعي" (٣). اهـ.
- واعترض الإمام أبو محمد علي بن حزم -﵀- على من استدل على تحريم القُبلة على الصائم بما رواه بإسناده عن (عمر بن حمزة (٤) أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول اللَّه، ما
_________________
(١) انظر: "المدخل" لابن بدران ص (١٣٩).
(٢) "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٤٥٧، ٤٥٨).
(٣) "مصائب الإنسان من مكائد الشيطان" ص (١٧٣).
(٤) وهو ضعيف كما في "التقريب" ص (٤١١) رقم (٤٨٨٤)، وضعفه أحمد، وابن معين، والنسائي.
[ ٧١ ]
شأني؟! فقال: ألست الذي تُقَبِّل وأنت صائم؟! قلت: فوالذي بعثك بالحق، لا أُقَبِّل بعدها وأنا صائم.
قال أبو محمد: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات، لا سيما وقد أفتى رسول اللَّه -ﷺ- عمر في اليقظة حيًّا بإباحة القبلة للصائم (١)، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام ميتًا! نعوذ باللَّه من هذا.
ويكفي من هذا كله أن عمر بن حمزة لا شيء). اهـ (٢).
- وقال الإمام النووي -﵀-: "إن الرائي وإن كانت رؤياه حقًّا، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شروط مَن تُقبل روايته وشهادته: أن يكون متيقظًا لا مغفلًا ولا كثير الخطأ، ولا مختلَّ الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة" (٣). اهـ.
- وقال ابن الحاج -﵀-: (إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله -ﷺ-: "رفع القلم عن ثلاثة " عَدَّ منهم: "النائم حتى يستيقظ"، لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه) (٤) اهـ.
- وقال الامام القرافي -﵀-: "فلو رآه ﵇، فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثًا، وهو يجزم بأنه لم يطلقها؛ فهل تحرم عليه لأن رسول اللَّه -ﷺ- لا يقول إلا حقًّا؟ وقع فيه البحث مع الفقهاء، واضطربت
_________________
(١) يشير إلى ما رواه جابر بن عبد الله -﵄- قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: هَشِشْتُ فقبلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، قال: "أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ "، قُلْتُ: لا بأس به، قال: "فمَهْ؟! " أخرجه أبو داود (٢٣٨٥)، وغيره، وصححه الألباني -﵀-.
(٢) "المحلى" (٦/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٣) نقله عنه د. محمد الأشقر في "أفعال الرسول - ﷺ -" (٢/ ١٦٢).
(٤) "نفسه".
[ ٧٢ ]
آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه، لتعارض خبره ﵇ عن تحريمها في النوم، وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له، والذي يظهر لي أن إخباره ﵇ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال" (١). اهـ.
وسُئل العز بن عبد السلام -﵀- عن ثواب القراءة المُهْدى للميت: هل يصل أو لا؟ فأجاب بما ملخصه:
"ثواب القراءة مقصور على القارئ، لا يصل إلى غيره"، إلى أن قال: "والعجب أن من الناس من يثبت ذلك بالمنامات، وليست المنامات من الحُجَج الشرعية التي تثبت بها الأحكام" (٢).
وقال العلامة عليُّ بن سلطان محمد القاري -﵀-: "لا اعتماد على رؤية المنام في غير حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع أن الرؤى قد تحتاج إلى تعبير يناسب الرائي أو غيره في هذا المقام، فلو فرض أن أحدًا رأى النبي ﵊، وأمره بفعل شيء أو تركه على خلاف قواعد الإسلام؛ فليس له القيام بذلك الأمر بإجماع علماء الأنام" (٣).اهـ.
وقال العلامة الشوكاني﵀-: "إن الشرع الذي شرعه اللَّه لنا قد كمَّله اللَّه -﷿-، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ..
ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت، وبهذا تعلم أنا لو قدَّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله -ﷺ- أو فِعْلِهِ حجةً عليه ولا على غيره من الأمة" (٤) اهـ.
_________________
(١) "الفروق" (٤/ ٢٤٥، ٢٤٦).
(٢) "فتاوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام" ص (٤٣، ٤٤).
(٣) "المقدمة السالمة في خوف الخاتمة" ص (٢٢).
(٤) "إرشاد الفحول" ص (٢٤٩).
[ ٧٣ ]
وقال العلامة عبد العزيز بن باز -﵀-:
"أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي؛ فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم والإيمان، لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع المطهر، لأن الله سبحانه أكمل لنبينا محمد -ﷺ- ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة قبل وفاته -﵊-، فلا يجوز لأحد أن يعتمد شيئًا من الأحلام في مخالفة شرعه -﵊-" (١).