بُلِيَ الإسلام بأشخاص يتخذون من الافتراء عليه طرقًا للتنفير منه، أو حبائل لاصطياد شيء من المال، ومن هذا القبيل صحيفة تشتمل على حكاية رؤيا منسوبة لشخص يُسَمِّي نفسه الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية، وقد اخْتُرِعَتْ هذه الأكذوبة من مدة تزيد على أربعين سنة، ولا يزال مخترعها يتعهد بها الناس في الشرق والغرب من سنة إلى أخرى، وكثيرًا ما كتب أهل العلم في تزييفها وبيان ضلالاتها، ورجاؤنا اليوم في الخطباء والوُعَّاظِ أن يُنبِّهُوا الأمة لفِريتها، وسخافة عقل من يتقبلها، وقد ورد إدارةَ المجلة مقالٌ مُحَرَّر بقلم فضيلة الأستاذ صاحب التوقيع، يكشف عن جهل كاتبها، وسوء قصده، وعظم وِزْرِهِ، وإليك ما كتب الأستاذ محمود ياسين:
لا نزال بين آونة وأخرى نسمع خبر هذه الرؤيا، ويسوؤنا أن يتهافت الناس على طبعها، ونشرها، وقراءتها، وتعليقها على الجدران؛ رغبة في الوعد الذي
_________________
(١) "فتاوى رشيد رضا" (١/ ٢٤٠ - ٢٤٢) بتصرف، بواسطة: "كتب حذر منها العلماء" (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦).
(٢) "المجلد الثالث" -الجزء الرابع- عدد ربيع الثاني ١٣٥١ هـ (ص ٢٨٩) وما بعدها، بواسطة "كتب حذر منها العلماء" (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٧) بتصرف.
[ ٥٣ ]
وقع فيها، وهو فوله: "ومن يُصَدِّقْ بها، يَنْجُ من عذاب النار"، وقوله: "ومن قرأها ونقلها من بلد إلى بلد؛ كان رفيق النبي -ﷺ- في الجنة، وكانت له شفاعته يوم القيامة"، ورهبة من الوعيد الذي تضمنته، وهو قوله: "ومن كذَّب بها كفر"، وقوله: "ومن قرأها ولم ينقلها كان خَصْمَ النبي -ﷺ- يوم القيامة".
كُنَّا في سنة (١٣٢١) هجرية نَشَرْنَا في الجزء السادس من المجلد الثالث من مجلة "الحقائق"؛ ردًّا مُمْتِعًا على هذه الفِرية، وحَذَّرْنَا الناسَ من الوثوق بها، والاغترار بوعودها، ووَقَعَ إذ ذاك في خَلَدِنَا أنَّ صاحب هذه النشرة سيرتدع عن إعادة نشرها، وأنَ الناس سيُعْرِضُونَ عنها، ولا يلتفتون بعد هذا إليها، ولكن خاب ما ظَنَنَّا، ولم نبلغ ما أملنا؛ فالكاذب لا يزال الفينةَ بعد الفينةِ ينشر فِريته، ويذيع كذبته بين الناس، وهم لا يزالون يُقْبِلُونَ عليها، ويتقبلون ما فيها من تُرَّهَاتٍ وتغريرٍ بالقبول الحسن، والعناية اللازمة.
ثم إن ناشرها -جريًا مع الأيام- قد عاد عليها بالتشذيب والتهذيب؛ فَنَقَّحَ وصَحَّحَ، وحذف منها كثيرًا من المفتريات التي كنا نبهنا عليها مثل قوله: "كنت ليلة الجمعة في اليوم الثاني والعشرين من شهر صفر الخير سنة كذا -مضطجعًا على وضوء كامل" إلخ، وقوله: "استحيت (كذا) من الله -﷿- وهو يقول لي: يا محمد، لأبدلن وجوههم، وأعذبهم عذابًا شديدًا. فقلت: يا رب، أمهلهم حتى أنذرهم وأبلغهم" إلخ، وقوله: "يا أحمد، إنهم قد سُلِبَ إيمانهم من كثرة الزنى" إلخ، وقوله: "يا أحمد، إن تارك الصلاة لا تمشوا بجنازته"، وقوله: "ومن اطلع عليها ولم يخبر بها الناسَ كان وجهُه مُسْوَدُّا يوم القيا مة " إلخ، وقوله: "ومن كذَّب ولم يُصَدِّقْ بها -يعني الوصية- فهو ملعون، ثم ملعون، ثم ملعون" إلخ، وقوله: "من بعد ألف وثلاث ومائة وأربعين سنة يخرجن (كذا) النساء من بيوتهن إلى الأسواق، من غير إذن أزواجهن" إلخ، وقوله: "وبعد ألف وثلاث مائة وخمسين ينزل من السماء مطر كبيض الدجاج،
[ ٥٤ ]
وبعد سنة (١٣٧٠) تغيب الشمس ثلاثة أيام"، وقوله: "وبعد ألف وأربع مائة يظهر المسيح الدجَّال".
وقوله: "فما كان، والله، والله، والله، وآيات اللَّه، وأمانه، أنها مكتوبة بقلم القدرة"، وقوله: "ومن كان عنده ثلاثة دراهم واستأجر بهن (كذا)، وكتب هذه الوصية، وكان مُذْنِبًا، وعليه فرض صيام؛ غُفِرَتْ ذنوبه ببركة هذه الوصية".
كل هذه التُّرَّهَاتِ والأكذوبات قد حذفها هذا المفتري الكَذَّاب جَريًا مع الأيام كما قلنا، وجاء إلينا الآن برؤيا، أو وصية ملخَّصة مشذبة، ومع ذلك، لم تَخْلُ مما يجب إنكاره، وفضيحة صاحبه، واشهاره بين الناس بأنه كاذب أفَّاك متلاعب، مجترئ على اللَّه -تعالى-، وعلى رسوله -ﷺ-، القائل في الحديث الصحيح المتواتر الذي رواه الجم الكثير من الصحابة عنه -ﷺ-: "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النار"؛ أي: فليتخذ منزله منها.
"لو أن هذا الرجل الذي سَمَّي نفسه بالشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية كان ممن يخشون اللَّه -تعالى-، ويُعِدُّونَ العدة للقائه -سبحانه-، لما حَمَّل نفسه أقبح أنواع الكذب، وأشدها للَّه -تعالى- سخطًا؛ حيث اعتاد أن يبني وصيته على رُؤيَا منامية يحكيها للناس، وهو في ذلك من الأفاكين الكذَّابين الدَّجَّالين؛ فقد صح عنه -ﷺ-؛ أنه قال: "إنَّ مِنْ أعْظَمِ الفِرَى أن يُدْعَى الرَّجُلُ إلى غيرِ أبِيهِ، أويُرِيَ عيْنَهُ في المَنَام مَا لَمْ تَرَ، أويَقُولَ عليَّ مَا لَمْ أقُلْ"، وقال -ﷺ-: "مِن أَفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ".