وَنسب الْبَيْضَاوِيّ هَذَا الْبَيْت لسابق الْبَرْبَرِي
وَأما الحقو فَقَالَ الْخطابِيّ الْكَلَام فِي الصِّفَات ثَلَاثَة أَقسَام
قسم تحقق كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَنَحْوهمَا
وَقسم يحمل على ظَاهره وَيجْرِي بِلَفْظِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ من غير تَأْوِيل كَالْيَدِ وَالْوَجْه وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُمَا صِفَات لَا كَيْفيَّة لَهَا فَلَا يُقَال معنى الْيَد النِّعْمَة وَالْقُوَّة وَلَا معنى الْوَجْه الذَّات على مَا ذهب إِلَيْهِ نفاة الصِّفَات
وَقسم يؤول وَلَا يجْرِي على ظَاهره كَقَوْلِه ﵇
[ ١٨٣ ]
إِخْبَارًا عَن الله تَعَالَى من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا الحَدِيث لَا أعلم أحدا من الْعلمَاء أجراه على ظَاهره بل كل مِنْهُم تَأَوَّلَه على الْقبُول من الله لعَبْدِهِ وَحسن الإقبال عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ ومضاعفة الْجَزَاء لَهُ على صنعه وَذكر حَدِيث لما خلق الله الرَّحِم تعلّقت بحقوي الرحمان قَالَ لَا أعلم أحدا من الْعلمَاء حمل الحقو على ظَاهر مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اللياذ والإعتصام تمثلا لَهُ بِفعل من اعْتصمَ بِحَبل ذِي عزة واستجار بِذِي ملكه وقدرة
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَمَعْنَاهُ عِنْد أهل النّظر أَنَّهَا استجارت واعتصمت بِاللَّه كَمَا تَقول الْعَرَب تعلّقت بِظِل جنَاحه أَي اعتصمت بِهِ
وَقَالَ بَعضهم قَوْله فَأخذت بحقو الرحمان مَعْنَاهُ فاستجارت بكنفي رَحمته وَالْأَصْل فِي الحقو معقد الْإِزَار وَلما كَانَ من شَأْن المستجير أَن يسْتَمْسك بحقوي المستجار بِهِ وهما جانباه الْأَيْمن والأيسر أستعير الْأَخْذ بالحقو فِي اللياذ بالشَّيْء تَقول الْعَرَب عذت بحقو فلَان أَي استجرت بِهِ واعتصمت
وَقيل الحقو الْإِزَار وَإِزَاره سُبْحَانَهُ عزه بِمَعْنى أَنه
[ ١٨٤ ]
مَوْصُوف بالعز فلاذت الرحمم بعزه من القطيعة وعاذت بِهِ
قلت وَمَا اتَّفقُوا على تَأْوِيله خلافًا للمتصوفة قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَنَحْوه مِمَّا مر فَإِن الْمَعِيَّة مَحْمُولَة على معية الْعلم والإحاطة والمشاهدة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى وَهَارُون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ طه ٤٦
وَكَذَا قَوْله ﵇ الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه أَي مَحل عَهده الَّذِي أَخذ بِهِ الْمِيثَاق على بني آدم
وَكَذَا قَوْله ﵇ حِكَايَة عَن الله عَبدِي مَرضت فَلم تعدني فَيَقُول رب كَيفَ أعودك وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلَو عدته لَوَجَدْتنِي عِنْده عَبدِي جعت فَلم تطعمني فَيَقُول رب كَيفَ أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا جَاع فَلَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي
قَالَ ابْن تَيْمِية ﵀ ففسر فِي هَذَا الحَدِيث أَنه تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ بذلك مرض وجوع عَبده ومحبوبه لقَوْله لوجدت ذَلِك عِنْدِي وَلم يقل لَوَجَدْتنِي إِيَّاه لِأَن الْمُحب والمحبوب كالشيء الْوَاحِد من حَيْثُ يرضى أَحدهمَا وَيبغض أَحدهمَا مَا يرضاه الآخر أَو يبغضه وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله﴾ الْفَتْح ١
[ ١٨٥ ]
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلِهَذَا أكده تَأْكِيدًا على طَرِيق التخييل فَقَالَ ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ يرد أَن يَد رَسُول الله ﷺ الَّتِي تعلو يَدي الْمُبَايِعين هِيَ يَد الله وَالله تَعَالَى منزه عَن الْجَوَارِح وَعَن صِفَات الأجرام وَإِنَّمَا الْمَعْنى تَقْرِير أَن عقد الْمِيثَاق مَعَ الرَّسُول كعقده مَعَ الله تَعَالَى من غير تفَاوت بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ النِّسَاء ٨٠ انْتهى
قَالَ ابْن تَيْمِية وكما فِي الصَّحِيح وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ الحَدِيث فَأخْبر سُبْحَانَهُ بمحبة العَبْد على هَذَا الْوَجْه
قَالَ وَقد غلط من زعم أَن هَذَا قرب النَّوَافِل وَأَن قرب الْفَرَائِض أَن يكون هُوَ إِيَّاه تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَعَن قَول الْقَائِلين إِن عين وجود الْحق هُوَ عين وجود الْخلق تَعَالَى الله عَن ذَلِك
وَمن الْمُتَشَابه النَّفس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ الْأَنْعَام ٥٤ وَقَوله ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ طه ٤١ وَقَوله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ آل عمرَان ٢٨ وَقَوله ﵇ عَن الله فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي
قَالَ أهل التَّأْوِيل كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ النَّفس فِي كَلَام
[ ١٨٦ ]
الْعَرَب على وُجُوه نفس مُتَفَرِّقَة مجسمة مروحة وَمِنْهَا مجسمة غير مروحة تَعَالَى الله عَن هذَيْن وَنَفس بِمَعْنى إِثْبَات الذَّات وَعَلِيهِ فَيُقَال فِي الله سُبْحَانَهُ إِنَّه نفس لَا أَن لَهُ نفسا منفوسة أَو جسما مروحا وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ الْمَائِدَة ١١٦ تعلم مَا أخفيه فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا تخفيه من معلوماتك وَقَوله ﴿فِي نَفسك﴾ للمشاكلة والمشاكلة وَإِن ساغت هُنَا لَا تسوغ فِي غَيره وَمثله فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي أَي حَيْثُ لَا يعلم بِهِ أحد وَلَا يطلع عَلَيْهِ
وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ أَي ويحذركم الله إِيَّاه
وَقَالَ السُّهيْلي النَّفس عبارَة عَن حَقِيقَة الْوُجُود دون معنى زَائِد وَقد اسْتعْمل من لَفظهَا النفاسة وَالشَّيْء النفيس فصلحت للتعبير عَنهُ تَعَالَى
وَقَالَ ابْن اللبان أَولهَا الْعلمَاء بتأويلات مِنْهَا أَن النَّفس عبر بهَا عَن الذَّات قَالَ وَهَذَا وَإِن كَانَ سائغا فِي اللُّغَة لَكِن تعدِي الْفِعْل إِلَيْهَا ب فِي المفيدة للظرفية محَال
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي قَوْله ﵇ إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن أَي تنفيسه الكرب بالأنصار
[ ١٨٧ ]
ومعاضدتهم لَهُ أَو بِفَتْح مَكَّة