من هَذَا النمط حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِن الله تَعَالَى لما خلق الْخلق كتب بِيَدِهِ على نَفسه إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي
وَفِي حَدِيث آخر إِن الله تَعَالَى خلق ثَلَاثَة أَشْيَاء بِيَدِهِ خلق آدم بِيَدِهِ وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ وغرس الفردوس بِيَدِهِ
وَحَدِيث أَحْمد وَمُسلم إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسييء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسييء اللَّيْل
[ ١٥٣ ]
قيل بسط الْيَد إستعارة فِي قبُول التَّوْبَة وَإِنَّمَا ورد لفظ الْيَد لِأَن الْعَرَب إِذا رَضِي أحدهم الشَّيْء بسط يَده لقبوله وَإِذا كرهه قبضهَا عَنهُ فَخُوطِبُوا بِمَا يفهمونه وَهُوَ مجَاز فَإِن يَد الْجَارِحَة مستحيلة فِي حَقه تَعَالَى
وَمن الْمُتَشَابه القبضة وَالْيَمِين فِي وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ الزمر ٦٧
وَحَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم يقبض الله الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَيْن مُلُوك الأَرْض
وَحَدِيث مُسلم يطوي الله السَّمَاوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى الحَدِيث
وَحَدِيث مُسلم أَيْضا يَأْخُذ الله سماواته وأرضيه بيدَيْهِ فَيَقُول أَنا الله ويبسطها أَنا الْملك
[ ١٥٤ ]
قَالَ الْبَيْهَقِيّ المتقدمون من هَذِه الْأمة لم يفسروا مَا ورد من الْآي وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب مَعَ اعْتِقَادهم بأجمعهم أَن الله وَاحِد لَا يجوز عَلَيْهِ التَّبْعِيض
قَالَ وَذهب بعض أهل النّظر إِلَى أَن الْيَمين يُرَاد بِهِ الْيَد وَالْيَد لله صفة بِلَا جارحة فَكل مَوضِع ذكرت فِيهِ من الْكتاب أَو السّنة فَالْمُرَاد بذكرها تعلقهَا بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور مَعهَا من الطي وَالْأَخْذ وَالْقَبْض والبسط وَالْقَبُول والإنفاق وَغير ذَلِك تعلق الصّفة الذاتية بِمُقْتَضَاهُ من غير مُبَاشرَة وَلَا مماسة وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَشْبِيه بِحَال
وَهَذَا مَذْهَب الْحَنَابِلَة
قَالَ الْخطابِيّ وَلَيْسَ معنى الْيَد عندنَا الْجَارِحَة وَإِنَّمَا هِيَ صفة جَاءَ بهَا التَّوْقِيف فَنحْن نطلقها على مَا جَاءَت وَلَا نكيفها وننتهي إِلَى حَيْثُ انْتهى بهَا الْكتاب وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
وَقَالَ بعض أهل التَّأْوِيل كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره فِي الْآيَة هُوَ تَنْبِيه على عَظمته وَكَمَال قدرته على الْأَفْعَال الْعِظَام الَّتِي تتحير فِيهَا الأفهام وَدلَالَة على أَن تخريب الْعَالم أَهْون شَيْء عَلَيْهِ على طَريقَة التَّمْثِيل والتخييل من غير اعْتِبَار القبضة وَالْيَمِين لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا
[ ١٥٥ ]
وَقَالَ بَعضهم هُوَ لبَيَان عَظمَة الله وجلاله وَقدرته وَأَن المكونات كلهَا منقادة لإرادته ومسخرات بأَمْره
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْقَبْض قد يكون بِمَعْنى الْملك وَالْقُدْرَة كَقَوْلِهِم مَا فلَان إِلَّا فِي قبضتي أَي قدرتي وَيَقُولُونَ الْأَشْيَاء فِي قَبْضَة الله أَي فِي ملكه وَقدرته وعَلى هَذَا التَّأْوِيل مخرج الْآيَة والْحَدِيث