فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ يعني: جميعَ السموات، وإنَّما أراد العرش الذي هو أعلى السموات إلى أن قال: ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأنَّ الله - ﷿ - مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله - ﷿ - على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش؛ انتهى.
قول أبي بكر محمد بن الحسين الآجري
قد ذكرتُ كلامَه في ذلك مع أقوال الذين نقلوا الإجماعَ على أنَّ الله - تعالى - فوق العرش، وعلمه مُحيط بكل شيء من خلقه، وقد ذكر أن هذا قول المسلمين.
وقال في كتاب "الشريعة": قال - جل ذكره -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقد كان النبي - ﷺ - إذا استفتح دُعاءه يقول: «سبحان ربي الأعلى الوهاب»، وكان جماعة من الصحابة إذا قرؤوا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قالوا: سبحان ربِّنا الأعلى، منهم عليُّ بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر - ﵃ - وقد علَّم النبي - ﷺ - أمَّته أن يقولوا في السجود:
[ ٩٤ ]
«سبحان ربي الأعلى ثلاثًا»، وهذا كله يقوي ما قلنا: إنَّ الله - ﷿ - العليُّ الأعلى، عرشه فوق السموات العُلى، وعلمه مُحيط بكل شيء خلاف ما قالته الحلولية، نعوذ بالله من سوء مذهبهم.
وقال أيضًا: ومما يَحتج به الحلولية مما يُلَبِّسُون به على مَن لا علمَ معه قول الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول قبل كل شيء من حياة وموت، والآخر بعد كل شيء بعد الخلق، وهو الظاهر فوق كل شيء؛ يعني: ما في السموات، وهو الباطن دون كل شيء يعلم ما تحت الأَرَضِين، دَلَّ على هذا آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، كذا فسره مُقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، وبينت ذلك السنة، ثم ساق حديث عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهم أنت الأَوَّل، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء».
قال: ومما يلبسون به على مَن لا عِلْمَ معه قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وبقوله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وهذا كلُّه إنَّما
[ ٩٥ ]