روى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" بإسناده إلى نُعَيْمِ بن حماد، قال: سمعت نُوحَ بْنَ أبي مريم أبا عصمة يقول: كُنَّا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأةٌ من تِرْمِذ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظُنُّني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إنَّ ها هنا رجلًا قد نظر في المعقول
[ ٥٨ ]
يقال له: أبو حنيفة، فأتته، فقالت: أنت الذي تُعلِّم الناس المسائلَ، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبُدُه؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يُجيبها، ثم خرج إليها، وقد وضع كتابًا: الله - ﵎ - في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إنِّي معك، وأنت غائب عنه.
قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة - ﵁ - فيما نفى عن الله - ﷿ - من الكون في الأرض، وفيما ذَكَر من تأويل الآية، وتَبِعَ مُطلقَ السمع في قوله: إنَّ الله - ﷿ - في السماء، وقد رواه الذَّهبي في كتاب "العلو" من طريق البيهقي، وقال أبو مطيع البلخي في كتاب "الفقه الأكبر" المشهور، سألت أبا حنيفة عمَّن يقول: لا أعرف ربِّي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر؛ لأنَّ الله - ﷿ - يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سموات، فقلت: إنَّه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنَّه في السماء، كفر؛ لأنَّه تعالى في أعلى علِّيِّين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل؛ انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "القاعدة
[ ٥٩ ]