قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنَّه نقل الإجماع على أنَّ الله - ﷿ - فوق السموات على عرشه استوى، فسُئِلَ عن قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة: ٧].
قول خالد بن سليمان أبي معاذ البلخي
قال ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": روى ابنُ أبي حاتم عنه بإسناده أنَّه قال: إنَّ الله في السماء على العَرش كما وصف نفسه.
قول الإمام أحمد بن محمد بن حنبل
قد تقدَّم في أوَّل حكاية الإجماع على خلاف ما زعمه المردود عليه - ما جاء في العقيدة التي رواها أبو العباس الإصطخري (١) عن الإمام أحمد في إثبات عُلُوِّ الله - تعالى - على العرش فوق السماء
_________________
(١) الإصْطَخْرِي: بكسر الألف وسكون الصاد وفتح الطاء وسكون الخاء، نسبة إلى إصطخر وهي من كور فارس، بينها وبين شيراز اثنا عشر فرسخًا، يراجع "الأنساب" للسمعاني، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي.
[ ٧٢ ]
السابعة، وأنَّه بائن من خلقه، وأنه مع الخلق بعلمه لا يَخلو من علمه مكان، فليراجع كلامه، فإنَّه مهم جدًّا، وتقدَّم أيضًا عن عبدالله بن المبارك أنَّه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة: وهكذا قال الإمام أحمد وغيره، وقال الذهبي: قيل هذا لأحمد بن حنبل، فقال: هكذا هو عندنا، وروى القاضي أبو الحسن في "طبقات الحنابلة" عن يوسف بن موسى القطان، قال: قيل لأبي عبدالله: والله - تعالى - فوق السماء السابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرته وعلمه بكلِّ مكان؟ قال: نعم، على عَرشه، ولا يَخلو شيء من علمه، وذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" عن أبي طالب أحمد بن حميد قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجل، قال: الله معنا وتلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: قد تَجهَّم هذا، يأخذون بآخر الآية، ويَدَعون أوَّلَها، هلاَّ قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة: ٧]، فعلمه معهم، وقال في سورة ق: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، فعلمه معهم.
[ ٧٣ ]
قلت: ما زعمه القائل بأنَّ مَعِيَّةَ الله لخلقه معية ذاتيَّة مُطابِق لقول الرجل الذي قال فيه الإمام أحمد: إنَّه قد تَجهَّم.
وقال المروذي: قلت لأبي عبدالله: إنَّ رجلًا قال: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال أبو عبدالله: هذا كلامُ الجهميَّة، بل علمه معهم، فأول الآية يدُلُّ على أنه عِلْمُه، رواه ابن بطة في كتاب "الإبانة" عن عمر بن محمد بن رجاء عن محمد بن داود عن المروذي.
قلت: ليتأملْ المبتلى بِمُخالفة أهل السنة والجماعة كلامَ الإمامِ أحمد حقَّ التأمُّل؛ حتى يعرف من كان يقول بالمعية الذاتيَّة من أهل البدع والضَّلال، وأنَّهم شرُّ أهل البدع.
وقال حنبل بن إسحاق في كتاب "السنة": قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، و﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؟ قال: عِلْمُهُ، عالم الغيب والشَّهادة، مُحيط بكُلِّ شيء، شاهد علاَّم الغيوب، يَعْلَمُ الغيبَ ربُّنا
[ ٧٤ ]
عَلَى العَرْشِ بلا حدٍّ ولا صفة (١)، وسع كُرسِيُّه السَّموات والأرض؛ انتهى، وقد نقله شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "شرح حديث النُّزول".
وقال الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى في عقيدة له ذكرها القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة": سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل عن قوله - ﷿ -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: عِلْمُه.
وذكر الإمام أحمد في كتاب "الرد على الجهمية" أنَّهم قالوا: إنَّ اللهَ تَحت الأرض السابعة، كما هو على العَرْش، فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، ولا يَخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتَلَوا آيةً من القرآن: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، فقلنا: قد عرف المسلمون أماكنَ كثيرة ليس فيها من عظمة الربِّ شيء: أجسامكم وأجوافكم وأجواف
_________________
(١) قوله: بلا حد ولا صِفة، معناه أنَّه لا يحد استواء الرَّب على العرش، ولا توصف كيفيَّته، كما قال ربيعة بن أبي عبدالرحمن، ومالك بن أنس: "الاستواء معلوم، والكَيْف غير معقول".
[ ٧٥ ]
الخنازير والوحوش، والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنَّه في السماء، ثم ذكر أحمد الأدلة من القرآن على أنَّ الله - تعالى - في السماء، وقال بعد ذلك: وإنَّما معنى قول الله - جل ثناؤه -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، يقول: هو إله مَن في السموات، وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يَخلو من علم الله مكانٌ، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الإمام أحمد أيضًا: "بيان ما تأولت الجهميَّة من قول الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: إنَّ الله معنا وفينا، فقلنا: الله - جل ثناؤه - يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، يعني الله بعلمه، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: بعلمه فيهم، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ
[ ٧٦ ]