ويأمرون التلاميذ بالتصوير، ويجعلونه قسمًا من أقسام دروسهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكل ما يفعله المسلمون وغيرهم مما ذكرنا هاهنا، وما لم نذكره فإنما هو محض التشبُّه بأعداء الله - تعالى - واتباع سننهم حذو النعل بالنعل.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مَن تشبه بقوم فهو منهم»؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبدالله بن عمر - ﵄ - وصححه ابن حبان.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: إسناده جيد.
وفي "جامع الترمذي" من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منَّا مَن تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
* * *
فصل
ومن الناس مَن يستحلُّ صناعة التصوير المحرم واتخاذ الصور المحرمة بأنواع من الشُّبَه الباطلة؛ فمن ذلك قول بعضهم: إن التصوير مكروه لا محرم، وعلَّلوا ذلك بعلة باطلة سيأتي ذكرها قريبًا - إن شاء الله تعالى - وهذه الشبهة قديمة، وقد ذكرها ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" وبالغ في ردها.
قال في شرح حديث عائشة - ﵂ -: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا
[ ٨٨ ]
فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»؛ متفق عليه، فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تضافرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور.
ولقد أبعد غاية البعد مَن قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان؛ لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهَّدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى فلا يساويه في هذا التشديد هذا أو معناه، وهذا القول عندنا باطل قطعًا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الأخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، وأنهم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل وقد صرح بذلك في قوله - ﵊ -: «المشبهون بخلق الله»، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زمانًا دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي يمكن أن يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله.
قلت: وأكثر الأحاديث التي تقدم ذكرها تردُّ هذه الشبهة أيضًا، وقد ذكرت ما فيها من الدلالة على التحريم في مواضع كثيرة ولله الحمد والمنة، وأذكر هاهنا ما لم يذكره ابن دقيق العيد.
فمن ذلك قوله في الحديث القدسي: "ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي"، وهذا لفظ عام يقتضي تحريم التصوير في كل زمان، والعلة فيه المضاهاة بخلق الله - تعالى - وهي علة عامة مستقلة لا تخص زمانا دون زمان،
[ ٨٩ ]