بالأيدي فقط فأما ما اعتصر بالآلات المعدَّة للاعتصار فلا يحرم وإن كان أشد إسكارًا مما اعتصر بالأيدي لما كان بين قوله وبين قول صاحب هذه الشبهة فرقٌ؛ لأن كلًاّ منهما قد حرم شيئًا وأباح ما هو أعظم من جنسه وما هو أولى بالتحريم والمنع مما حرمه.
وقد ذكرت قريبًا أن علة تحريم التصوير هي المضاهاة بخلق الله - تعالى - كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحديث عائشة - ﵄ - وهذه العلة تشمل كلَّ تصوير سواء كان منقوشًا بالأيدي أو مأخوذًا بالآلة الفوتوغرافية، وكلما كان التصوير أقرب إلى مشابهة الحيوانات فهو أشد تحريمًا؛ لما فيه من مزيد المضاهاة بخلق الله - تعالى.
ولا يخفى على عاقل أن التصوير الفوتوغرافية هو الذي يطابق صور الحيوانات غاية المطابقة بخلاف التصوير المنقوش بالأيدي فإنه قد لا يطابقها من كل وجه، وعلى هذا فيكون التصوير بالآلة الفوتوغرافية أشد تحريمًا من التصوير المنقوش بالأيدي، والله أعلم.
* * *
فصل
ومن الشبه الباطلة أيضًا قول مَن قال: إن المحرم تصوير ماله ظل وهي الصور المجسمة، فأما ما لا ظل له؛ كالمنسوج في الثياب ونحوها، وكالمنقوش في القراطيس والحيطان والأواني والآلات وغيرها فهذا لا بأس به، وهذا قول باطل وتفريق لا دليل عليه.
[ ٩٤ ]
وقد تقدم ردُّه في مواضع كثيرة عند ذكر فوائد الأحاديث في تحريم التصوير، وذكرت هناك كلام النووي وابن حجر العسقلاني في ردِّه.
وذكرت أيضًا كلام الخطابي وابن بطال في التسوية بين الصور المجسمة وغير المجسمة.
والأدلة على بطلان هذه الشبهة كثيرة:
منها حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة امتناع جبريل - ﵇ - من دخول بيت النبي - ﷺ - من أجل الستر الذي فيه التصاوير، ثم أمر أن تقطع رؤوسها أو يجعل الستر بساطًا يُوطَأ ويُمْتَهن.
ومنها إنكار النبي - ﷺ - على عائشة - ﵂ - نصب الستر الذي فيه التماثيل وهتكه إياه بيده الكريمة.
ومنها إنكاره - ﷺ - على علي - ﵁ - وخروجه من بيته لما رأى فيه سترًا فيه تصاوير.
ومنها أمره - ﷺ - بمحو الصور التي في الكعبة، ومحوه لبعضها بيده الكريمة، وهي صور منقوشة في حيطان الكعبة وأعمدتها؛ ويدل على ذلك أنه - ﷺ - دعا بدلو من ماء فجعل يبل ثوبًا معه ويضرب به على الصور.
ومنها قول عائشة - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب - وفي بعض الروايات تصاوير - إلا نقضه.
ومنها إنكار أبي هريرة - ﵁ - على المصور الذي يصور في حيطان دار مروان بن الحكم، واستدلاله على المنع بالحديث القدسي.
ومنها إنكار مسروق للتماثيل التي في دار يسار بن نمير، واستدلاله
[ ٩٥ ]