قال النووي في الجواب عن إقراره لها: هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة فلهذا كان رسول الله - ﷺ - يدخل ويراه ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة، انتهى.
الحديث الرابع: عن عبدالله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يُعَذَّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم»؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي.
وفي هذا الحديث من الفوائد تحريم التصوير، وأنه من الكبائر وتعذيب المصوِّرين يوم القيامة وتكليفهم بما يظهر به عجزهم، والرد على صاحب الأغلال وأشباهه، وأنه لا فرْق بين الصور المجسَّمة وغير المجسمة؛ لأن (أل) للاستغراق فتعم كما تقدم التنبيه على ذلك قريبًا.
الحديث الخامس: عن أبي الضحى مسلم بن صبيح قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صفته تماثيل فقال: سمعت عبدالله - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون»؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية لأحمد ومسلم عن مسلم بن صبيح قال: كنت مع مسروق في بيت فيه تماثيل مريم فقال مسروق: هذه تماثيل كسرى، فقلت: لا هذه تماثيل مريم، فقال مسروق: أما إني سمعت عبدالله بن مسعود - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»؛
[ ٤٢ ]
وفي رواية لهما أيضًا: أن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا المصورون، وفي هذا الحديث من الفوائد تحريم التصوير وأنه من الكبائر، وشدة الوعيد للمصورين، وأنهم من أشد أهل النار عذابًا، وأنه لا فرق بين تصوير ما له ظل وما لا ظل له.
قال الخطابي: إنما عظمت عقوبة المصور؛ لأن الصور كانت تُعْبَد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل.
قال: والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح، انتهى.
الحديث السادس: عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجلٌ قتله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين»؛ رواه الإمام أحمد.
الحديث السابع: عن ابن عباس - ﵄ - وقد روي عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس - ﵄ - إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإنما أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس - ﵄ -: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ - سمعته يقول: «مَن صور صورة فإن الله مُعَذِّبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخٍ فيها أبدًا»، فربا الرجل ربوةً شديدة واصفرَّ وجهه فقال: «ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح»؛ رواه الإمام أحمد والشيخان، وهذا لفظ البخاري.
[ ٤٣ ]
ولفظ مسلم قال: جاء رجل إلى ابن عباس - ﵄ - فقال: إني رجل أصوِّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادنُ منِّي، فدنا منه ثم قال: ادنُ منِّي، فدنا حتى وضع يده على رأسه قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله - ﷺ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس فتعذبه في جهنم»، وقال: إن كنت لا بُدَّ فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
الوجه الثاني: عن النضر بن أنس بن مالك قال كنت عند ابن عباس - ﵄ - وهو يفتي الناس لا يسند إلى نبي الله - ﷺ - شيئًا من فتياه، حتى جاءه رجل من أهل العراق فقال: إني رجل من أهل العراق، وإني أصور هذه التصاوير، فقال ابن عباس - ﵄ -: ادنُهْ، إمَّا مرتين أو ثلاثًا، فدنا فقال له ابن عباس - ﵄ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن صور صورة في الدنيا يكلف الله يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ»؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي، وهذا لفظ أحمد.
الوجه الثالث: عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «مَن صوَّر صورةً عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ»؛ رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ الترمذي: «مَن صور صورةً عذَّبه الله حتى ينفخ فيها - يعني: الروح - وليس بنافخ فيها»، ثم قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٤٤ ]