والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في حديث عائشة - ﵂ - تصريح بأن لعبها كانت صورًا حقيقة، وبانتفاء التصريح بأنها كانت صورًا حقيقة ينتفي الاستدلال بالحديث على جواز اتخاذ اللعب من الصور الحقيقة، ومَن ادَّعى أن لعب عائشة - ﵂ - كانت صورًا حقيقة فعليه إقامة الدليل على ذلك، ولن يجد إلى الدليل سبيلًا.
وأما تسمية اللعب بنات كما في حديث عائشة - ﵂ - فلا يلزم منه أنها كانت صورًا حقيقة، كما قد يظن ذلك مَن قصر فهمه، بل الظاهر - والله أعلم - أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا فإنهن يأخذن عودًا أو قصبة أو خرقة ملفوفة أو نحو ذلك فيضعن قريبًا من أعلاه عودًا معترضًا ثم يلبسنه ثيابًا ويضعن على أعلاه نحو خمار المرأة، وربما جعلته على هيئة الصبي في المهد، ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وَفْق ما هو مرويٌّ عن عائشة وصواحباتها - ﵅.
وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانًا بعد زمان، ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديمًا ومستمرًّا في بنات العرب من زمن الجاهلية إلى زماننا هذا، والله أعلم.
وليس كل بنات العرب في زماننا يلعبن باللعب اللاتي وصفنا، بل كثير منهن يلعبن بالصور الحقيقة من صور البنات وغير البنات من
[ ٩٩ ]
أنواع الحيوانات، وهؤلاء هن اللاتي دخلت عليهن وعلى أهليهن المدنية الإفرنجية وكثرت مخالطتهم للأعاجم وأشباه الأعاجم.
وأما السالمات من أدناس المدنية الإفرنجية ومن مخالطة نساء الأعاجم وأشباه الأعاجم فهؤلاء لم يزلن على طريقة بنات العرب، ولعبهن على ما وصفنا من قبل، وكما أن بين لعب هؤلاء ولعب أولئك بونًا بعيدًا في الحقيقة والشكل الظاهر فكذلك الحكم فيهما مختلف أيضًا.
فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن؛ لأنهن لسن بصور حقيقية، وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام، وبيعهن حرام، وشراؤهن واتخاذهن حرام، والتلهِّي بهن حرام، وإتلافهن واجب على مَن قدر على ذلك؛ لأنهن من الأصنام وقد أمر رسول الله - ﷺ - بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي - ﵁.
والقول في الفرس الذي كان مع لعب عائشة - ﵂ - كالقول في لعبها سواء، ومَن ادعى أنها كانت صورة حقيقة لها رأس ووجه فعليه إقامة الدليل على ذلك، ولن يجد إليه سبيلًا.
والظاهر - والله أعلم - أنها على نحو لعب صبيان العرب في زماننا فإنهم يأخذون العظم ونحوه ويجعلون عليه شبه الإكاف ويسمونه حمارًا وربما سموه فرسًا، ويأخذون أيضًا من كرب النخل ويغرزون في ظهر كل واحدة عودين كهيئة عودي الرحل، ثم يضعون بينهما شبه ما يوضع
[ ١٠٠ ]
على النجائب من الأخراج وغيرها، ويجعلون لها مقودًا يقودونها به، وربما اتخذوا ذلك من خشبة منجورة في أعلاها مثل السنام وبين يديه ومن خلفه عودان كهيئة عودي الرحل، يُوضَع بينها شبه ما يُوضَع على النجائب ومن أمامها عودٌ كهيئة الرقبة يوضع فيه المقود، ولها أربع عجلات تمشى عليهن، ويسمون هذه اللعب والتي قبلها إبلًا، وليست هذه اللعب من الصور المحرمة في شيء والنسبة بينها وبين الصور الحقيقة بعيدة جدًّا، ومما يدل على أن الفرس كان على نحو لعب صبيان العرب ولم يكن صورة حقيقة أن النبي - ﷺ - لما رآه سأل عائشة - ﵂ -: «ما هذا؟»، فقالت: فرس، ولو كان صورة حقيقية لعرفه النبي - ﷺ - من أول وهلة ولم يحتج إلى سؤال عائشة عنه، وكذلك سؤاله - ﷺ - عن اللعب يدل على أنها لم تكن صورًا حقيقة، ولو كانت صورًا حقيقية لم يحتج إلى السؤال عنها، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - أنكر على عائشة - ﵂ - نصب الستر الذي فيه الصور وتلوَّن وجهه لما رآه، ثم تناوله بيده الكريمة فهتكه، وقد تقدمت الأحاديث بذلك، وهذا يدل على أن لعب عائشة - ﵂ - لم تكون صورًا حقيقة، ولو كانت صورًا حقيقة لكانت أَوْلَى بالتغيير من الصور المرقومة في الستر؛ لأن الصور المجسدة أقرب إلى مشابهة الحيوانات وأبلغ في المضاهاة بخلق الله - تعالى - من الصور المرقومة فكانت أشد تحريمًا وأَوْلَى بالتغيير
[ ١٠١ ]
من الصور المرقومة.
الوجه الثالث: ما تقدم من حديث عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه وفي رواية إلا قبضه، وفي رواية تصاوير بدل تصاليب، وصيغة هذا الحديث تقتضي العموم؛ لأن "شيئًا" نكرة في سياق النفي فتعم كل تصليب وصورة، وهذا يدل على أن لعب عائشة - ﵂ - لم تكن صورًا حقيقة، ولو كانت صورًا حقيقة لنقضها النبي - ﷺ - كسائر التصاليب والصور.
الوجه الرابع: أن النبي - ﷺ - أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة وقد تقدمت الأحاديث بذلك، وأخبر النبي - ﷺ - أيضًا عن جبريل - ﵇ - أنه أتاه ليلة فلم يدخل البيت من أجل كلب فيه، ومن أجل ما فيه من تمثال الرجال، ثم قال للنبي - ﷺ -: مر بقطع رأس التمثال وإخراج الكلب، وهذا يدل على أن لعب عائشة - ﵂ - لم تكن صورًا حقيقة، ولو كانت صورًا حقيقة لمنعت الملائكة من دخول بيتها، وما كان النبي - ﷺ - ليترك في بيته شيئًا يمنع من دخول الملائكة فيه، فتعيَّن أن لعب عائشة - ﵂ - لم تكن صورًا حقيقة، وإنما هي على نحو ما وصفته في الوجه الأول.
الوجه الخامس: ما تقدم من رواية عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت.
[ ١٠٢ ]
وفي رواية: أنه - ﷺ - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمُحِيَت، وإذا كان النبي - ﷺ - قد امتنع من دخول الكعبة مرة واحدة من أجل ما فيها من الصور فكيف يُظَنُّ به أنه كان يدخل بيت عائشة - ﵂ - في اليوم والليلة مرارًا متعددة وفيه الصور، فتعين أن لعب عائشة - ﵂ - لم تكن صورًا حقيقة، وبهذا تجتمع الأحاديث وينتفي عنها التعارض.
والوجه السادس: ما تقدم من حديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي على - ﵁ -: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ - أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، وفي رواية: ولا صورة إلا طمستها.
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - أمر عليًّا - ﵁ - أن يُسَوَّى كل قبر ويُطْمَس كل صنم، والنكرة في هذا الحديث من صِيَغ العموم كما تقدم تقرير ذلك.
ويستفاد من هذا أن لعب عائشة - ﵂ - لم تكن صورًا حقيقية، ولو كانت صورًا حقيقة لكانت داخلة في عموم ما أمر النبي - ﷺ - بطمسه، ولم يجئ عن النبي - ﷺ - ولا حرف واحد يقتضي استثناء لعب عائشة - ﵂ - من هذا العموم، فتعين كونها من غير الصور الحقيقة.
الوجه السابع: ما تقدم من حديث علي - ﵁ - أن رسول الله
[ ١٠٣ ]
- ﷺ - قال: «مَن عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ»، وفي هذا الزجر الأكيد أوضح دليل على تحريم اتخاذ الصور كلها، ولا فرق بين أن تكون لعبًا أو غير لعب.
وأكثر الأحاديث التي تقدم ذكرها تدل على ما دل عليه هذا الحديث من عموم تحريم الصنعة والاتخاذ لكل صورة من صور ذوات الأرواح، وعلى هذا فيتعين القول بأن لعب عائشة - ﵂ - لم تكون صورًا حقيقية.
الوجه الثامن: أن التخصيص نوعٌ من النسخ؛ لكونه رفعًا لبعض أفراد الحكم العام بدليل خاص، والنسخ لا بُدَّ فيه من أمرين:
أحدهما: ثبوت دليل النسخ.
والثاني: تأخر تاريخه عن تاريخ المنسوخ، وإذا فرضنا إمكان ما زعمه عياض وغيره من تخصيص صور البنات من عموم النهي عن الصور بناءً على أن لعب عائشة - ﵂ - كانت صورًا حقيقية فلا بُدَّ إذًا من إقامة الدليل على أن لعب عائشة - ﵂ - كانت صورًا حقيقية.
ولا بُدَّ أيضًا من ثبوت التخصيص بأن يكون النبي - ﷺ - رأى تلك الصور عند عائشة - ﵂ - بعد نهيه العام عن الصور فأقرها على الاتخاذ، وإذا كان كل من الأمرين معدومًا فلا شك في بطلان ما زعمه عياض ومَن قال بقوله.
[ ١٠٤ ]