قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": إنما فعل ذلك أوائلهم؛ ليتأنَّسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فاعبدوها، فحذَّر النبي - ﷺ - عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك.
وذكر الحافظ أيضًا أن النصارى كانوا يصورون صورة مريم والمسيح وغيرهما ويعبدونها، وقال أيضًا: كان غالب كفر الأمم من جهة الصور.
وذكر ابن القيم - رحمة الله تعالى - في كتاب "الإغاثة" أمثلة كثيرة من تلاعب الشيطان بالنصارى قال فيها: وتلاعَب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها، فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء، وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله - تعالى - حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابًا يحتج فيه للسجود للصور بأن الله - تعالى - أمر موسى - ﵇ - أن يصور في قبة الزمان صورة الساروس، وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل، ثم قال في كتابه: وإنما مثل هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عمَّاله كتابًا فيأخذه العامل ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيمًا للقرطاس
[ ١٤ ]
والمداد بل تعظيمًا للملك، كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان.
قال ابن القيم - رحمة الله تعالى -: وبهذا المثال بعينه عُبِدت الأصنام، وما ذكره هذا المشرك عن موسى وسليمان - ﵉ - لو صحَّ لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود أنه نقش خطيئته في كفه كي لا ينساها.
فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور، وإنما المثل المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدمِ الملك دخل على رجل فوثب الرجل من مجلسه وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك، وكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله؛ إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي له أن يخص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل، ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك له وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه ورفع منزلته، كذلك حال مَن سجد لمخلوق أو لصورة مخلوق؛ لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ما يتوصل به العبد إلى رضا الرب، ولا يصلح الإله ففعله لصورة عبد من عبيده وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء؛ ولهذا قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، انتهى.
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" والترمذي في "جامعه" وابن خزيمة
[ ١٥ ]
في كتاب "التوحيد" بإسناد صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا يتبع كل أناس ما كانوا يعبدون، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصوير تصويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كان يعبدون» الحديث؛ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ألا لتلحق كل أمة بما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا صورة إلا ذهبوا حتى يتساقطوا في النار » الحديث، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق.
والغرض من هذين الحديثين بيان أن الصور كانت من معبودات المشركين؛ فمنهم مَن كان يعبد الصور المجسمة، ومنهم مَن كان يعبد الصور التي ليس لها ظل.
وإذا عُلِم أن عبادة الأصنام في قوم نوح كان سببها تصوير الصالحين ونصب صورهم في المجالس،
[ ١٦ ]