مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها فقال: «قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾» [آل عمران: ٦٧]، ثم أمر بتلك الصور كلها فطُمِسَت.
الحديث السادس والعشرون: عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - في الكعبة ورأى صورًا، قال: فدعا بدلو من ماء فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: «قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون»؛ رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" بإسناد جيد، وعمر بن شيبة في "أخبار مكة" والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة".
وفي معنى قوله: «قاتلهم الله» أقوال:
أحدها: لعنهم الله، قاله ابن عباس - ﵄ - واختاره الإمام البخاري - رحمه الله تعالى.
الثاني: قتلهم الله، قاله ابن جريج.
الثالث: أنه ليس هو على تحقيق المقاتلة، ولكنه بمعنى التعجب، حكاه البغوي في "تفسيره".
قال الراغب الأصفهاني: والصحيح أن ذلك هو المفاعلة، والمعنى صار بحيث يتصدَّى لمحاربة الله، فإن مَن قاتل الله فمقتول، ومَن غالَبه فهو مغلوب، انتهى.
ويظهر لي أن المراد به هاهنا اللعن المقرون بالإنكار على المصورين،
[ ٦٢ ]
والتعجب من سوء صنيعهم وجراءتهم على المضاهاة بخلق الله - تعالى - مع عجزهم عن نفخ الروح فيما يصورونه، والله أعلم.
فإن قيل: إن في هذه الأحاديث شيئًا من التعارض؛ ففي الرواية الأولى عن عكرمة أن النبي - ﷺ - أمر بالآلهة فأُخْرِجت، وفي روايته الأخرى أنه أمر بها فمُحِيت، ومثله ما في حديث جابر وأسامة بن زيد وعمرو بن دينار.
وأيضًا ففي رواية كريب عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - دخل البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، ونحوه ما في حديث أسامة بن زيد - ﵄ - وما ذكره ابن هشام وهذا يعارض رواية عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، ونحوه ما في حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لم يدخل الكعبة حتى مُحِيَت كل صورة فيها.
والجواب أن يقال: ليس بين هذه الروايات تعارض بحمد الله - تعالى - فأما التي يفهم منها التعارض بين المحو والإخراج فوجه الجمع بينها أنه - ﷺ - أمر بمحو ما كان منقوشًا في أعمدة الكعبة وحيطانها، وأمر بإخراج ما كان مجسدًا ليكسر خارج الكعبة مع الأصنام التي كانت حولها؛ ليرى المشركين ما يصيب ألهتهم من
[ ٦٣ ]