وفيه من الفوائد تحريم التصوير، وأنه من الكبائر لشدة الوعيد عليه، وأن مآل المصورين إلى النار مع الجبابرة والمشركين، وظاهره أنه لا فرق بين الصور المجسمة وغير المجسمة.
الحديث الثاني عشر: عن عائشة - ﵂ - قالت: واعَد رسول الله - ﷺ - جبريل - ﵇ - في ساعة يأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصا، فألقاها من يده وقال: «ما يخلف الله وعده ولا رسله»، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره فقال: «يا عائشة، متى دخل هذا الكلب هنا؟»، فقالت: والله ما دريت، فأمر به فأُخْرِج فجاء جبريل فقال رسول الله - ﷺ -: «واعدتني فجلست لك فلم تأتِ!»، فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صوره؛ رواه مسلم.
ورواه ابن ماجه مختصَرًا ولفظه: قالت: واعَد رسول الله - ﷺ - جبريل - ﵇ - في ساعة يأتيه فيها فراث عليه، فخرج النبي - ﷺ - فإذا هو بجبريل قائم على الباب فقال: «ما منعك أن تدخل؟»، قال: إن في البيت كلبًا، وإنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة»؛ إسناده صحيح.
الحديث الثالث عشر: عن ابن عباس - ﵄ - قال: أخبرتني ميمونة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - أصبح يومًا واجمًا فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال
[ ٤٨ ]
رسول الله - ﷺ -: «إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أم والله ما أخلفني»، قال: فظل رسول الله - ﷺ - يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأُخْرِج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة»؛ رواه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني.
الحديث الرابع عشر: عن ابن عمر - ﵄ - قال: وعد النبي - ﷺ - جبريل فراث عليه حتى اشتدَّ على النبي - ﷺ - فخرج النبي - ﷺ - فلقيه فشكا إليه ما وجد فقال له: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب؛ رواه البخاري.
الحديث الخامس عشر: عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وعليه الكآبة فسألته فقال: «لم يأتني جبريل منذ ثلاث»، فإذا جرو كلب بين يديه فأمر به فقتل، فبدا له جبريل﵇ - فهشَّ إليه رسول الله - ﷺ - فقال: «ما لك لم تأتني؟» فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا تصاوير؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي.
الحديث السادس عشر: عن أبي هريرة - ﵁ - وقد روي عنه من وجهين:
أحدهما: عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
[ ٤٩ ]
هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير»؛ رواه مسلم.
الوجه الثاني: عن مجاهد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأس التمثال الذي بالباب فليُقْطْع فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين تُوطَآن، ومُرْ بالكلب فيخرج»، ففعل رسول الله - ﷺ - وكان ذلك الكلب جروًا للحسين أو للحسن تحت نضد له فأمر به فأُخْرِج؛ رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان، ورواية النسائي مختصرة وفيها زيادة ليست عند أبي داود والترمذي.
ولفظه: استأذن جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ - فقال: «ادخل»، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها أو يُجْعَل بساطًا يُوطَأ؛ فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير.
الحديث السابع عشر: عن علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب»؛ رواه الإمام أحمد
[ ٥٠ ]
وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
ورواه الإمام أحمد أيضًا مطولًا وفيه: أن النبي - ﷺ - قال: «سمعت في الحجرة حركة فقلت: مَن هذا؟ فقال: أنا جبريل، قلت: ادخل، قال: لا، اخرج إليَّ، فلمَّا خرجت قال: إن في بيتك شيئًا لا يدخله مَلَك ما دام فيه، قلت: ما أعلمه يا جبريل، قال: اذهب فانظر، ففتحت البيت فلم أجد فيه شيئًا غير جرو كلب كان يلعب به الحسن، قلت: ما وجدت إلا جروًا، قال: إنها ثلاث لن يلج ملَك ما دام فيها أبدًا واحد منها: كلب، أو جنابة، أو صورة روح».
الحديث الثامن عشر: عن أبي طلحة الأنصاري - ﵁ - وقد روي عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عن ابن عباس - ﵄ - قال: سمعت أبا طلحة - ﵁ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة»؛ رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا أبا داود.
الوجه الثاني: عن الليث بن سعد، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - عن أبي طلحة صاحب رسول الله - ﷺ - أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة»، قال بسر: ثم اشتكى زيد بعدُ فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة فقلت لعبيدالله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي - ﷺ -: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيدالله:
[ ٥١ ]
ألم تسمعه حين قال: إلا رقمًا في ثوب؛ رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي.
ورواه الشيخان أيضًا من حديث عمرو بن الحارث، أن بكير بن الأشج حدثه، أن بسر بن سعيد حدثه، أن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - حدثه ومع بسر بن سعيد عبيدالله الخولاني الذي كان في حجر ميمونة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - حدثهما زيد بن خالد، أن أبا طلحة - ﵁ - حدثه، أن النبي - ﷺ - قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة»، قال بسر: فمرض زيد بن خالد فعدناه، فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير فقلت لعبيدالله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ فقال: إنه قال: إلا رقم في ثوب ألا سمعته؟ قلت: لا، قال: بلى قد ذكره.
ورواه مسلم أيضًا وأبو داود من حديث سعيد بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - عن أبي طلحة الأنصاري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال».
وقال: انطلق بنا إلى أم المؤمنين عائشة - ﵂ - نسألها عن ذلك، فانطلقنا فقلنا: يا أم المؤمنين، إن أبا طلحة حدثنا عن رسول الله - ﷺ - بكذا وكذا، فهل سمعت النبي - ﷺ - يذكر ذلك؟ قالت: لا، ولكن سأحدثكم بما رأيته فعل؛ خرج رسول الله - ﷺ - في بعض مغازيه وكنت أتحيَّن قُفُوله، فأخذت نمطًا كان لنا فسترته على العرض، فلما
[ ٥٢ ]
جاء استقبلته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أعزك وأكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط فلم يرد علي شيئًا ورأيت الكراهية في وجهه، فأتى النمط حتى هتكه، ثم قال: «إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن»، قالت: فقطعته وجعلته وسادتين وحشوتهما ليفًا، فلم ينكر ذلك عليَّ؛ هذه رواية أبي داود وهي أتم من رواية مسلم.
الوجه الثالث: وهو الحديث التاسع عشر عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري - ﵁ - يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف - ﵁ - قال: فدعا أبو طلحة إنسانًا ينزع نمطًا تحته، فقال سهل: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير وقال فيها النبي - ﷺ - ما قد علمت، قال سهل: أو لم يقل: «إلا ما كان رقمًا في ثوب»؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي؛ رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الحديث العشرون: عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، أن رافع بن إسحاق مولى الشفا أخبره قال: دخلت أنا وعبدالله بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدري - ﵁ - نعوده، فقال أبو سعيد الخدري - ﵁ -: أخبرنا رسول الله - ﷺ - أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير، يشك إسحاق بن عبدالله لا يدري أيتهما قال أبو سعيد - ﵁.
رواه مالك وأحمد والترمذي وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٥٣ ]
الحديث الحادي والعشرون: عن علي - ﵁ - قال: صنعت طعامًا فدعوت رسول الله - ﷺ - فجاء، فرأى في البيت تصاوير فرجع؛ رواه ابن ماجه هكذا مختصرًا وإسناده صحيح، وبوَّب عليه بقوله: (باب إذا رأى الضيف منكرًا رجع).
ورواه النسائي أتمَّ منه ولفظه: قال: صنعت طعامًا فدعوت النبي - ﷺ - فجاء، فدخل فرأى سترًا فيه تصاوير فخرج وقال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير».
ورواه أبو نعيم في "الحلية" بأبسط منه، ولفظه عن سعيد بن المسيب أن عليًّا - ﵁ - صنع طعامًا فجاء النبي - ﷺ - حتى إذا نظر في البيت رجع، فقال له علي: ما رجعك يا رسول الله - فداك أبي وأمي؟ قال: «إني رأيت في بيتك سترًا فيه تصاوير، وإن الملائكة لا تدخل بيتًا في تصاوير».
وفي هذا الحديث والأحاديث التسعة قبله عدة فوائد نذكر منها ما يتعلق بالمقصود في هذا الفصل:
فالأولى منها: امتناع الملائكة من دخول البيت إذا كان فيه صورة من صور ذوات الأرواح، وقد تقدم تعليل امتناعهم في فوائد الحديث الثاني فليراجع.
قال الخطابي - رحمه الله تعالى - والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه: وهو ما يكون من الصور التي فيها روح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن، انتهى.
[ ٥٤ ]