أحدهما: أنه إذا قطع صار باقي الجسم كهيئة الشجرة، وخرج عن شكل ذوات الأرواح.
الثاني: أنه مشتمل على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء ومجمع المحاسن، وأعظم فارق بين الحيوان وبين غيره من النباتات والجمادات، وبطمسه تذهب بهجة الصورة ورونقها، وتعود إلى مشابهة النباتات والجمادات؛ ولهذا قال جبريل للنبي - ﷺ -: "مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة".
وبهذا يعرف أن غير الرأس لا يساويه، وأن مَن قاس شيئًا من الأعضاء على الرأس فقياسه غير صحيح فلا يعتدُّ به، والله أعلم.
وقد قال بهذا القياس الفاسد كثير من فقهاء الحنابلة، فخالفوا نص أمامهم مع مخالفتهم لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة جبريل - ﵇ - ولما ثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة، ولعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها، وخليق بهذا القول أن يضرب به الحائط ولا يعول عليه، والله الموفق.
ويدخل في عموم النكرة أيضًا الوجهُ المصوَّر وحده؛ لإطلاق لفظ الصورة عليه في كلام النبي - ﷺ - وكلام أصحابه - ﵃ - وكلام أهل اللغة.
فأما إطلاق ذلك عليه في كلام النبي - ﷺ - ففي عدة أحاديث:
[ ٧٤ ]
الأول منها: عن سالم بن عبدالله، عن أبيه - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تضرب الصور يعني: الوجه؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقال البخاري - رحمه الله تعالى - في "صحيحه": (باب الوسم والعلم في الصورة) حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ - أنه كره أن تعلم الصورة، وقال ابن عمر - ﵄ -: نهى النبي - ﷺ - أن تضرب، تابعه قتيبة قال: حدثنا العنقري، عن حنظلة، وقال: تضرب الصورة.
قوله: "أن تعلم الصورة"؛ أي: يجعل في الوجه علامة من كي أوسمة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": المراد بالصورة الوجه، قال: وقد أخرج الإسماعيلي الحديث من طريق وكيع عن حنظلة بلفظ أن تضرب وجوه البهائم، ومن وجه آخر عنه أن تضرب الصورة؛ يعني: الوجه.
وأخرجه أيضًا من طريق محمد بن بكر البرساني وإسحاق بن سليمان الرازي كلاهما عن حنظلة قال: سمعت سالمًا يسأل عن العلم في الصورة فقال: كان ابن عمر - ﵄ - يكره أن تعلم الصورة، وبلغنا أن النبي - ﷺ - نهى أن تضرب الصورة يعني بالصورة الوجه.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر»؛ الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه.
[ ٧٥ ]
والمراد بالصور هاهنا الوجوه خاصة؛ لما في الصحيحين عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون - أو سبعمائة - ألف - لا يدري أبو حازم أيهما قال - متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم وجوههم على صورة القمر ليلة البدر».
وفي "المسند" و"صحيح مسلم" عن جابر بن عبدالله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال - فذكر الحديث وفيه -: «فتنجوا أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون» الحديث.
وفي "المسند" أيضًا من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعْطِيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر».
الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر » الحديث؛ رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي هذا الحديث والذي قبله تشبيه صور الزمرة الأولى من أهل الجنة بصورة القمر، ومعلوم أن القمر ليس فيه إلا صورة الوجه وحده فدل على أن الوجه
[ ٧٦ ]
وحده يسمى صورة على الحقيقة، فيحرم تصويره مطلقًا سواء كان معه جسم أو بعض جسم أو كان مفردًا بالتصوير، والله أعلم.
الحديث الرابع: عن أبي سعيد الخدري أيضًا - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو يصف يوسف حين رآه في السماء الثالثة قال: «رأيت رجلًا صورته كصورة القمر ليلة البدر، فقلت: يا جبريل، مَن هذا؟ قال: هو أخوك يوسف»؛ رواه الحاكم في "مستدركه".
وفي هذا الحديث إطلاق لفظ الصورة على الوجه وحده؛ لأنه هو الذي يشبه صورة القمر.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أما يخشى أحدكم أو إلا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمارٍ، ويجعل الله صورته صورة حمار»؛ رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن، وهذا لفظ البخاري، والمراد بالصورة هاهنا الوجه؛ لما في رواية لمسلم: «أن يجعل الله وجهه وجه حمار»، ففي هذه الرواية بيان المراد بالصورة في الرواية الأولى، والله أعلم.
الحديث السادس: عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سجد يقول: «اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»؛ رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود
[ ٧٧ ]
والنسائي والدارقطني، وهذا لفظ النسائي.
الحديث السابع: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: «نعم» الحديث بطوله وفيه: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا مَن عرفتم فتحرم صورهم على النار»؛ الحديث متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
والمراد بالصور هاهنا الوجوه؛ والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة».
وأما إطلاق لفظ الصورة على الوجه في كلام الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث سالم بن عبدالله، عن عبدالله بن عمر - ﵄ - أنه كان يكره العلم في الصورة، وقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ضرب الوجه.
وقد رواه البخاري في "صحيحه" والإسماعيلي بنحوه، وتقدم ذكره قريبًا.
وروى مسلم في "صحيحه" والبخاري في "الأدب المفرد" من حديث هلال بن يساف قال: كنا نبيع البز في دار سويد بن مقرن فخرجت جارية فقالت لرجل شيئًا فلطمها ذلك الرجل، فقال له سويد بن مقرن: لطمت
[ ٧٨ ]
وجهها! لقد رأيتُني سابع سبعة وما لنا إلا خادم فلطمها بعضنا فأمره النبي - ﷺ - أن يعتقها؛ هذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم فقال له سويد بن مقرن عجز عليك إلا حر وجهها، وفي رواية لهما عن محمد بن المنكدر قال: حدثني أبي شعبة العراقي، عن سويد بن مقرن، أن جارية له لطمها إنسان فقال له سويد: أما علمت أن الصورة محرمة؟ وذكر تمام الحديث بنحو رواية هلال بن يساف، والمراد بالصورة الوجه كما صرح به في الرواية الأولى، وأشار سويد - ﵁ - بقوله: أما علمت أن الصورة محرمة؟ إلى ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه»؛ رواه الإمام أحمد ومسلم في "صحيحه" والبخاري في "الأدب المفرد" وأبو داود وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁.
وأما إطلاق لفظ الصورة على الوجه في كلام أهل اللغة فقال ابن الأثير في "النهاية" وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": وفي حديث ابن مقرن: "أما علمت أن الصورة محرمة"، أراد بالصورة الوجه، وتحريمها المنع من الضرب واللطم على الوجه، ومنه لحديث كره أن تعلم الصورة؛ أي: يحمل في الوجه كي أوسمة.
وقال مرتضى الحسيني في "تاج العروس": والصورة الوجه، ثم ذكر ما ذكره ابن الأثير وابن منظور.
ومما ذكرنا يعلم أن تصوير الوجه حرام سواء كان مفردًا أو غير
[ ٧٩ ]