الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم الإجماع على نزوله، وأنه لم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافهم، وقد ذكرت ذلك مستوفى في (إتحاف الجماعة) فليراجع هناك.
وأما ما جاء في العنوان الأول عن نزول عيسى في آخر لزمان هو حقيقة يؤكدها القرآن أم مسألة تتنافى مع الإسلام؟
فجوابه أن يقال: بل نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حقيقة يؤكدها القرآن، قال الله تعالى في صفة رسوله - ﷺ -: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقد تواترت عن النبي - ﷺ - أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، فيجب الإيمان بذلك لقول الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ وقد جاء في ذلك آيتان من القرآن:
إحداهما: قول الله تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ قال ابن عباس ﵄: قبل موت عيسى بن مريم. رواه ابن جرير بإسناد صحيح. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: خروج عيسى بن مريم. قال الحاكم: صحيح
[ ٨ ]
على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: يعني أنه سيدركه أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى فيؤمنون به. وروى ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في هذه الآية نحو قول ابن عباس ﵄.
وهذا القول هو الصحيح في تفسير الآية، وقد اختاره ابن جرير وابن كثير، وبه يقول أبو مالك والحسن وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. قال الحسن: والله إنه لحي الآن عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. رواه ابن جرير.
وأما قول من قال من المفسرين: إن الضمير في قوله: ﴿قبل موته﴾ يعود إلى الكتابي. فليس فيه معارضة لما تقدم فقد يؤمن كل كتابي عند احتضاره بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولكن لا ينفعه إيمانه في هذه الحالة، وأما الذين يؤمنون به بعد نزوله في آخر الزمان فإن إيمانهم به ينفعهم، والله أعلم (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والأعمش: ﴿وإنه لعَلَم للساعة﴾ بفتح العين واللام أي أمارة وعلامة على اقتراب الساعة، قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾
_________________
(١) هذا فيه نظر وقد عارض هذا القول المهدي في رده على سلمان العودة فليراجع ما ذكر. ص٧٥ من كتاب (كشف اللثام عن جهل سلمان العودة على أمر مهدي الإسلام).
[ ٩ ]
قال: هو خروج عيسى بن مريم يوم القيامة. رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم في مستدركه وصححه هو والذهبي. وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ قال: (نزول عيسى بن مريم قبل يوم القيامة) صححه الحاكم والذهبي. وقد روي عن أبي هريرة ومجاهد والحسن وقتادة وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والضحاك نحو قول ابن عباس ﵄.
ومما جاء في الآيتين والأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وما قاله ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما من السلف في تفسير الآيتين من سورة النساء وسورة الزخرف يعلم أن نزول عيسى ﵊ حق، والحق لا يتنافى مع الإسلام، ومن زعم أن نزوله يتنافى مع الإسلام فهو ممن يشك في إسلامه، لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله، إذ لابد في تحقيقها من التصديق بكل ما أخبر به رسول الله - ﷺ - من أمور الغيب مما كان فيما مضى، وما سيكون في المستقبل.
[ ١٠ ]