وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث. وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان وابن حبان وغيرهم، وبوب عليه ابن حبان في صحيحه فقال: «ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة» ثم ساق ما يدل على ذلك. وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، رواه عنهما الحاكم في «علوم الحديث»، وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وعن علي بن المديني رواية أنهم العرب، واستدل بحديث «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة».
قال والمراد بالغرب الدلو، أي العرب لأنهم أصحابها لا يستقي بها أحد غيرهم ذكره يعقوب بن شيبة ونقله عنه صاحب «المشارق» وغيره.
قلت: ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وسيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقال النووي: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض انتهى.
وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال أنها تكون في بيت المقدس، كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة رضي
[ ١٠١ ]
الله عنه قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال: «بيت المقدس».
وقال معاذ ﵁: هم بالشام.
وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قلت يشهد له الواقع وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه - في القرن السابع وأول الثامن - فإنهم في زمانهم على الحق يدعون إليه ويناظرون عليه ويجاهدون فيه، وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة؛ والله على كل شيء قدير.
ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده، لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار: في الشام منهم أئمة، وفي الحجاز، وفي مصر وفي العراق، واليمن، وكلهم على الحق، يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلامًا لأهل السنة والحجة على كل مبتدع.
فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها.
[ ١٠٢ ]
قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان، عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊.
والدليل على ذلك: ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة ﵁ في ذكر الدجال، وفيه فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ﵊، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث.
ويدل له أيضًا: ما روه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ قال: وضع رسول الله - ﷺ - يده على رأسي - أو على هامتي - ثم قال: «يا ابن حوالة» إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند أيضًا وجامع الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «ستخرج نار من حضرموت
[ ١٠٣ ]
- أو من نحو بحر حضرموت - قبل يوم القيامة، تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالشام» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄.
وفي المسند أيضًا وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق؛ خير منازل المسلمين يومئذ» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. ولفظ أبي داود «أن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام».
قال المنذري في «تهذيب السنن» قال يحيى بن معين - وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى - ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي - ﷺ - أنه قال «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» انتهى.
ففي هذه الأحاديث دليل على أن جل الطائفة المنصورة يكون بالشام في آخر الزمان، حيث تكون الخلافة هناك، ولا يزالون هناك ظاهرين على الحق حتى يرسل الله الريح الطيبة فتقبض كل من في قلبه إيمان، كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - قال «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» قال معاذ: «وهم بالشام» يعني أنهم يكونون بالشام حين يأتي أمر الله وهو هبوب الريح الطيبة.
[ ١٠٤ ]