ونزول عيسى لقتل الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الأخبار ومما هو واقع لا محالة.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا من نمط ما قبله من القرمطة والقول في كتاب الله بغير علم.
الثاني: أن الآية من سورة يونس ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف، وليست فيها دلالة على وجود القنابل الذرية والهيدروجينية بوجه من الوجوه، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لسرعة زوال الدنيا وانقضائها. ولا خلاف بين المفسرين في هذا.
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الكهف (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا).
وقال تعالى في سورة الزمر (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب).
وقال تعالى في سورة الحديد (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطاما).
الوجه الثالث: أن خراب الدنيا بأسرها وقيام الساعة لا يكون
[ ٣٣ ]
على أيدي بني آدم بتفجير القنابل القوية المفعول، كما قد توهمه المصنف وكما يظنه كثير من أهل زماننا ممن قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون ذلك بالنفخ في الصور كما أخبر الله تعالى بذلك في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). وقال تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين). وقال تعالى (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فيومئذ وقعت الواقعة. وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) وقال تعالى (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون).
وقال تعالى (يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة) قال ابن عباس ﵄: الراجفة النفخة الأولى، والرادفة النفخة الثانية. ذكره البخاري في صحيحه ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد.
وقال تعالى (فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير) قال ابن عباس ﵄: الناقور الصور. ذكره البخاري في صحيحه ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وهكذا قال مجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد. وقال
[ ٣٤ ]
تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) والآيات في هذا كثيرة.
وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا» قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس» رواه الإمام أحمد ومسلم، قال الجوهري: الليت بالكسر صفحة العنق وهما ليتان. وقال ابن منظور في «لسان العرب» وفي الحديث ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا أي أمال صفحة عنقه.
وفي حديث الصور الذي رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال «قرن» قلت كيف هو؟ قال «عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض
[ ٣٥ ]
إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهي التي يقول الله تعالى (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق)» الحديث بطوله وفيه «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله» قال ابن كثير هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد.
وروى الحاكم في «مستدركه» عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم.
وروى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله (فإذا نقر في الناقور) قال قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمربالنفخ فينفخ» فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - كيف نقول؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» قال الهيثمي: فيه عطية العوفي وهو ضعيف وفيه توثيق لين. وقال ابن كثير هو حديث جيد.
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿ (فإذا نفخ في الصور) قال: رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر» قال أصحاب
[ ٣٦ ]
رسول الله - ﷺ - كيف نقول يا رسول الله؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا».
وروى الإمام أحمد أيضا والترمذي من حديث عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ» فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي - ﷺ - فقال لهم «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» قال الترمذي هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ فذكره بنحوه.
وروى الإمام أحمد أيضًا والطبراني عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر» قال فسمع بذلك أصحاب النبي - ﷺ - فشق عليهم فقال رسول الله - ﷺ - «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل». قال الهيثمي: رجاله وثقوا على ضعف فيهم.
وروى الإمام أحمد أيضًا عن أبي مرية عن النبي - ﷺ - - أو عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ - قال: النفاخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان) قال الهيثمي: رواه أحمد على شك
[ ٣٧ ]
فإن كان عن أبي مرية فهو مرسل ورجاله ثقات؛ وإن كان عن عبد الله بن عمرو ﵄ فهو متصل مسند ورجاله ثقات.
وروى ابن ماجه والبزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان».
وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل فقالت عائشة ﵂ يا كعب أخبرني عن إسرافيل فقال كعب: عندكم العلم قالت أجل قالت فأخبرني قال له أربعة أجنحة جناحان في الهواء وجناح قد تسربل به وجناح على كاهله، والقلم على أذنه فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن.
وروى الطبراني أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه؛ فلا يبقى خلق من خلق الله إلا مات إلا من شاء ربك.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو رضي الله
[ ٣٨ ]
عنهما قال قال أعرابي يا رسول الله ما الصور قال: «قرن ينفخ فيه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي.
وذكر البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه قال الصور كهيئة البوق. ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد أنه قال الصور شيء كهيئة البوق.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت.
وبما ذكرته من الآيات والأحاديث يعلم قطعا أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بأمر سماوي لا صنع للبشر فيه، ويعلم قطعا بطلان ما يتخرصه المتخرصون من خراب الدنيا وقيام الساعة على أيدي بني آدم.
[ ٣٩ ]