ويدل على ذلك أيضًا حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» رواه البيهقي في «شعب الإيمان»، وذكره الإمام أحمد في كتاب الصلاة مختصرًا.
وذكر الإمام أحمد أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال توشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقها. ورواه أبو موسى المديني في كتاب «دولة الأشرار».
وإذا علم هذا فاليهود لم يعمروا بيت المقدس كما زعمه المصنف، وإنما هم مخربون له، ولا زالوا جادين في تخريبه حتى تنزل الخلافة فيه وتطهره منهم ومن إخوانهم من المشركين والمنافقين.
الوجه الرابع: أن بغض الرسول - ﷺ - من نواقض الإسلام فمن أبغضه، أو أبغض شيئًا مما جاء به، فهو كافر، وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على هذا.
ومع هذا فقد زعم هذا الصوفي الملحد في آيات الله تعالى أن النجديين يبغضون الرسول - ﷺ -، ويعتقدون أن زيارته ومجاورته وتعظيمه بدعة وضلال.
[ ٨٢ ]
والجواب عن هذه الفرية أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد قال بهذه الفرية قبله غير واحد من سلفه وأشباهه من أهل الزيغ والإلحاد، ورد عليهم المحققون من أهل نجد وغيرهم بما يشفي ويكفي.
وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا).
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «من ذكر امرأً بشيء ليس فيه، ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه» رواه الطبراني، قال المنذري: وإسناده جيد. وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، يشينه بها في الدنيا، كان حقًا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال».
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني وزاد: «وليس بخارج».
وكلام المصنف في زيارة النبي - ﷺ - وتعظيمه: فيه إجمال. فإن كانت الزيارة بغير سفر فلا خلاف في جوازها، وليس أحد من علماء النجديين يمنع منها، فضلا عن أن يعتقدوها بدعة وضلالا كما زعمه المصنف كذبًا وافتراء عليهم.
[ ٨٣ ]
وإن كانت الزيارة تحتاج إلى سفر فهي داخلة فيما نهى عنه الرسول - ﷺ - من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما في الصحيحين والمسند والسنن - إلا الترمذي - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» هذا لفظ البخاري، وفي رواية لمسلم «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» قوله لا تشد الرحال بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به، وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر» انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
[ ٨٤ ]
ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا». وروى الطبراني في الصغير عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
وفي الموطأ والمسند وسنن النسائي عن بصرة بن أبي بصرة ﵁ أنه قال لأبي هريرة ﵁ - وقد أقبل من الطور -: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وقد رواه الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي والبخاري في التاريخ الكبير من حديث أبي بصرة ﵁، بنحوه.
وقد تحصل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ: النفي، والنهي، والحصر، وكل واحدة من هذه الصيغ تفيد أنه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء من القبور ولا المساجد والأماكن المعظمة سوى المساجد الثلاثة. وباجتماع هذه الصيغ الثلاث يزداد المنع شدة، والله أعلم.
وإذا كان شد الرحال إلى زيارة القبور معصية للنبي - ﷺ - فما ذنب النجديين إذا نهوا عن ذلك واعتقدوه بدعة وضلالا عن
[ ٨٥ ]
الصراط المستقيم، فليس النجديون بمخطئين في نهيهم عن الزيارة البدعية، وإنما المخطئ الأثيم من أجازها وارتكب ما نهى عنه الرسول - ﷺ - من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، فخالف بذلك قول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب).
وأما تعظيم النبي - ﷺ -: فإن كان ذلك بما أمر الله به، من طاعته ومحبته واحترامه وتوقيره واتباع أوامره واجتناب نواهيه، فذلك واجب على كل مسلم، وجميع المؤمنين من النجديين وغيرهم على هذا المذهب، وليس أحد من مؤمني أهل نجد يخالف في هذا؛ فضلا عن أن يعتقدوه بدعة وضلالا كما زعم ذلك المصنف كذبًا وافتراء عليهم.
وإن كان تعظيمه - ﷺ - بما نهى عنه من اللغو فيه وإطرائه كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، واتخاذ قبره عيدًا والالتجاء إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات كما يفعله كثير من المفتونين بالقبور، فذلك ضلال عن الصراط المستقيم. ومن اعتقد ذلك بدعة وضلالا فهو المصيب، ومن أنكر عليه فهو التائه الضال، والله أعلم.
وأما تسمية المصنف للنجديين بالقرنيين، فمراده أنهم هم قرن الشيطان الذي أخبر النبي - ﷺ - بطلوعه. وسيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله تعالى عند قوله في صفحة (٧٦): «ولما طلع قرن الشيطان بنجد». والله المستعان؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٨٦ ]