فصل
وفي صفحة (٢٠ - ٢٢) تأول المصنف قول النبي - ﷺ - «لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده» على السيرك الذي تستخدم فيه الأسود والنمور والفيلة وغيرها من السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة، وإنها تخاطب فتفهم، وتؤمر وتنهى فتأتمر وتنتهي حسب إرادة اللاعب بها، وعلى الكلاب التي تتخذ لاستكشاف أصحاب الجرائم وعلى الفوتوغراف وآلة التسجيل.
والجواب: أن يقال إن ظاهر الحديث يدل على أن السباع تكلم الإنس في آخر الزمان كلامًا حقيقيًا كما وقع ذلك في زمن النبي - ﷺ - لأهبان بن أوس ﵁ حين كلمه الذئب كلامًا حقيقيًا وأخبر النبي - ﷺ - بذلك فصدقه وأمره أن يحدث به الناس وقال النبي - ﷺ - «إنها امارة من امارات بين يدي الساعة» والحديث بذلك رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وروى الترمذي بعضه وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه البيهقي من حديث ابن عمر ﵄، و(بنو أهبان) يقال لهم: بنو مكلم الذئب.
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة ثم أقبل علينا بوجهه
[ ٤٤ ]
فقال «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها قالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحراثة» فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثم، «وبينا رجل في غنمه إذ عدا عليها الذئب فأخذ شاة منها فطلبه فأدركه فاستنقذها منه فقال: يا هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري؟» قال الناس سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال «إني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» وما هما ثم.
وروى البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي سمعت الحسين بن أحمد الرازي سمعت ابا سليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بي عن الطريق فضربت راسه ضربات فرفع رأسه إلي وقال لي اضرب يا أبا سليمان فإنما على دماغك هو ذا يضرب، قال قلت له: كلمك كلاما يفهم؟ قال: كما تكلمني وأكلمك.
والمقصود هنا أن تكليم السباع للإنس فيه خرق للعادة وهو مستغرب جدا ولهذا تعجب الصحابة ﵃ لما أخبرهم النبي - ﷺ - بكلام البقرة والذئب واستغربوا ذلك.
وأما ما ذكره المصنف من استخدام السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة، وإنها تؤمر وتنهى حسب إرادة اللاعب بها فليس ذلك بمستغرب منها كما يستغرب تكليمها للإنس بالكلام الحقيقي.
وكذلك استكشاف الكلاب لأصحاب الجرائم ليس بمستغرب
[ ٤٥ ]