أصل الماسونية العام:
والباحث في الجذور العميقة للتنظيمات الماسونية يرى تناقض الباحثين حول أصل الماسونية؛ فبعض الكتاب يقسم تاريخ الماسونية العام إلى قسمين؛ قسم قديم وقسم حديث، أو ماسونية حقيقية وماسونية رمزية، ثم يقسم الماسونية الحقيقة إلى مرحلتين؛ المرحلة الأولى وهي مرحلة الماسونية العملية المحضة، وتمتد من سنة ٧١٥ قبل الميلاد إلى سنة ١٠٠٠ ميلادية، أما المرحلة الثانية من مراحل الماسونية العملية المحضة فيمتد من سنة ١٠٠٠ ميلادية حتى سنة ١٥١٧ للميلاد، وكذلك يقسم الماسونية الحديثة أو الرمزية إلى مرحلتين أيضًا المرحلة الأولى من هذه الماسونية الحديثة وتمتد من سنة ١٧١٧ حتى سنة ١٧٨٣ للميلاد، والمرحلة الثانية تمتد من سنة ١٧٨٣ حتى الآن.
نشأة الماسونية:
وهذا أيضًا قد اختلف العلماء في الحديث عنه، فقد اختلفوا في الحديث عن نشأتها وتاريخ ولادتها؛ فيرى البعض أنها وُلدت حين كان موسى -﵇- مع قومه
[ ١٣ ]
في التيه، ونجد في أوراق المحفل الأكبر الوطني المصري للبنائين الأحرار القدماء المقبولين لمصر والأقطار العربية؛ نجد النشرة الماسونية رقم واحد تحمل هذه السنة ٥٩٥٦ وهي سنة النور، وهي باصطلاحهم تقع قبل أربعين قرنًا من ميلاد المسيح -﵇، هذا هو الرأي الأول في نشأة الماسونية.
أما الرأي الثاني فيرى البعض أن المؤسس الأول للماسونية هو "هيرودوس الثاني" الذي كان واليًا على القدس لدولة الرومان، قد أسس في القدس بالاشتراك مع مستشاريه اليهودييْن "أحيرام أبيو، ومؤاب لافي"، جمعية سرية باسم القوة الخفية، وكان هدفها مقاومة دعوة المسيح -﵇؛ لأن المسيح - ﵇ - كان يبشر -كما يقولون- بزوال هيكل سليمان، حتى لا يبقى حجر يلامس حجر ًا آخر، وكان هدف هذه الجمعية أيضًا ملاحقة الفئة المؤمنة بالمسيح - ﵇ - وتشريدها، وكان لهذه الجمعية مجلس سري مؤلف من تسعة أعضاء، على رأسهم هؤلاء الثلاثة.
وقد عقد المجلس أول جلسة في يوم ١٠ شهر ثمانية سنة ٤٣ ميلادية في مكان سموه الهيكل، وتقاسموا بأغلظ الأيمان على أن يكون أمرهم سرًّا، وأن يتعاونوا فيما بينهم أشد التعاون، وأن ينفذ كل منهم ما يطلبه المجلس منه، ومن شذ عن ذلك فالموت جزا ؤ هـ ولا شفقة ولا رحمة ولا شفاعة.
وأطلقت هذه الجمعية على هيكلها اسم كوكب الشرق الأعظم، ومن هذا الهيكل انبثقت الهياكل في فلسطين وفي خارجها، حتى كان في فلسطين وحدها أربعون هيكلًا تضم رجال السلطة وأذنابها، وماسحي ثيابها من ضعاف النفوس، وكان هيكل روما في مركز الإمبراطورية من أشهر هياكل ذلك العصر؛ هذا هو الرأي الثاني في نشأة الماسونية.
[ ١٤ ]
أما الرأي الثالث فيرى أن نشأة الماسونية ترجع إلى العصور الحديثة وله على ذلك أدلة كثيرة منها مثلًا أنه لم يكن في بريطانيا في القرن الثاني عشر للميلاد أو حتى القرن الثاني عشر للميلاد أية جمعية تحمل هذا الاسم؛ اسم البنائين الأحرار، أو الإخوة الأحرار، ولذلك نجد أول محفل من محافل الماسونية -بناء على هذا الرأي- هو المحفل الماسوني الأعظم في بريطانيا، وهو أول محفل ماسوني علني، وقد أنشئ عام ١٧١٧ للميلاد، ولا يزال قائمًا حتى اليوم، ينشر فكره في مجلة دورية تصدر باستمرار.
والحق أن نشأة الماسونية تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب، ولا سيما في هذا العصر الذي توفرت فيه المصادر عن الماسونية ولم تكن معروفة من قبل، ويرجع السبب في غموض البحث في هذه النقطة أن الباحثين حين يبحثون في زوايا التاريخ عن جمعية باسم الماسونية أو البنائين الأحرار متى ولدت في التاريخ ومتى ظهرت؟ يبحثون عن الاسم بينما المنطق العلمي يوجب علينا في مثل هذه الدراسات المتعلقة بالجمعيات السرية أن ندرس المبادئ لا أن نقف تحت ظلال الأسماء ننعم بالراحة، فالماسونية تظهر بأسماء مختلفة وتتلون بألوان كثيرة، فحين تنعم بالأمان في مجتمع من المجتمعات تعلن اسمها ومحفلها، أما إذا رأت خطرًا داهمًا أو شعرت بأن الناس بدء وا يحركون أصابع الشك والريبة حول سلوكها وأهدافها، سرعان ما تتغير معالم المحفل ليظهر من جديد اسمًا وشكلًا وأسلوبًا، والحقيقة هي الحقيقة والهدف هو الهدف.
وعلى سبيل المثال فقد أغلق " هتلر " جميع محافل الشرق الأكبر في ألمانيا، والسبب أنه لمس صلة هذه المحافل باليهود، ماذا فعلت الماسون؟ عادت الماسونية في ألمانيا تحت اسم جديد هو نادي الفرسان الألمان، وحين شعرت الماسونية بأن بعض
[ ١٥ ]
رجال الفكر في شتى بقاع العالم قاموا يحذرون أقوامهم من الخطر المحدق بهم من الماسونية؛ إذا بها تظهر بأسماء مستعارة كالروتاري والليونز وبناي برث وغيرها.
أقدم كتاب في الماسونية:
ويعد كتاب (القوانين) للدكتور " جيمس أندرسون " هو أقدم كتاب في الماسونية، وقد طُبع بلندن سنة ١٧٢٣ من الميلاد، وقد ادعى فيه الدكتور " جيمس أندرسون " قدم الماسونية، وأن الأستاذ الأكبر لها هو النبي موسى -﵇، وهو الذي أنشأ المحفل الماسوني، وكان القيم عليه بوصف كونه الأستاذ الماسوني الأكبر، وهو الذي نظم صفوف الإسرائيليين ووحدهم في محفل ماسوني منظم عندما كان بنو إسرائيل في التيه.
وهذا كله طبعًا بحسب زعم أندرسون، الذي أطال الحديث في هذا الأمر دون سند تاريخي، بل إن التاريخ الحق ينفي مزاعمه ويبطل أكاذيبه، فما كان سيدنا موسى وسيدنا سليمان - ﵉ - إلا رسولي خير ورحمة، ولكن طبيعة " أندرسون " اليهودية وكتاب أسفار اليهود بما فيها التوراة جردوا الرسل من جميع مزاياهم العظمى، ومن جميع صفاتهم المثلى وخلائقهم الفضلى، وهذا كلام غير مستغرب من اليهود، نعم ليس مستغربًا من "أندرسون" وغيره من اليهود تشويه سمعة الأنبياء، حتى أنبياء بنو إسرائيل وهم الذين وصفوا الله تعالى وحاشاه وتعالى عما يصفون، وصفوه بأبشع صفات الشياطين، حتى جعلوه كائنًا متوحشًا موصوفًا بالنقائص والعيوب.
وينتهي " أندرسون " في كتابه إلى تاريخ المحفل البريطاني الذي أقيم خلال سنة ١٧١٦ إلى ١٧١٧ دون أن يذكر أن جمعيات معدودات في القرن الثاني عشر كان يُطلق عليها اسم البنائين الأحرار أو الإخوة الأحرار.
[ ١٦ ]
وقد أعيد طبع كتاب " أندرسون " سنة ١٧٣٨ ميلادية، وأهداه إلى أمير ويلز ولي العهد البريطاني الموصوف بأنه كبير الماسونيين وقيم محفلهم، وزعم " أندرسون " أيضًا أن " شارل مارتن " الذي انتصر على المسلمين في وقعة بلاط الشهداء سنة ٧٣٢ كان القيم الأكبر على المحفل الفرنسي الماسوني الأكبر.