الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الاستشراق:
تعريف الاستشراق:
والاستشراق هو مصطلح أطلقه غير الشرقيين على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، فهو يعني دراسة الشرق والشرقيين شعوب الشرق وتاريخه، وأديانه، ولغاته، وأوضاعه الاجتماعية، وبلدان الشرقيين، وسائر أراضيهم، وما فيها من كنوز وخيرات، وكذلك دراسة حضاراتهم وكل ما يتعلق بهم. وكان هدف الغربيين من هذا الإطلاق العام الذي يشمل كل الشرق والشرقيين مسلمين، أو غير مسلمين أن يكون غطاءً للهدف الأساسي؛ الذي هو دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين لخدمة أغراض التبشير من جهة، وخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين من جهة أخرى، ثم لإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية وتجزئتها، وتفتيت وحدتها، ثم توسعت الدراسات الاستشراقية بعد توسع الاستعمار الغربي في الشرق؛ فتناولت دراسة جديد ديانات الشرق وعاداته، وحضاراته، وجغرافيته، وتقاليده، ولغاته، وكل ما يتعلق به.
فالمستشرقون هم الذين يقومون بالدراسات الاستشراقية من غير الشرقيين، ويقدمون نصائحهم ودراساتهم ووصاياهم أولًا للمبشرين؛ بغية تحقيق أهداف التنصير والتبشير، وثانيًا يقدمون نصائحهم للدوائر الاستعمارية؛ بغية تحقيق أهداف، الاستعمار بل إن كثيرًا من المستشرقين قساوسة منتظمون في السلك الكنسي، فهم بمقتضى مهنتهم أصحاب مهمات تنصيرية، وكثير من المستشرقين موظفون ببلدانهم في الدوائر السياسية والإدارية المختصة بشئون الاستعمار بصفة باحثين، أو مستشارين، أو نحو ذلك.
[ ٢٨٣ ]
كما اندسَّ في الاستشراق يهود كثيرون ينافقون النصارى، ويخدمون سرًّا أهدافًا يهودية ضمن المخطط اليهودي العام، وظهر ضمن المستشرقين نفر عني بالدراسات الاستشراقية؛ رغبة في البحث العلمي المتجرد، دون أن يكون مدفوعًا بدافع تنصيري أو دافع استعماري، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة دون تحيز، وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية، واستطاع أن يتحرر من تقاليده العمياء، وعصبيته الجاهلية فأسلم.
ثم اتسعت الدراسات الاستشراقية لأهداف متعددة اقتصادية وسياسية، وعسكرية، وعلمية، وغير ذلك واحتلَّ كثير من المستشرقين مراكز علمية مرموقة في الجامعات الغربية، وأوكل إليهم في هذه الجامعات أمر منح الشرقيين في العلوم الإسلامية والعربية الشهادات العليا، كالماجستير، والدكتوراه؛ بغية صناعة حملة شهادات من بلدان العالم الإسلامي طبق ما يريده المنصرون والمستعمرون. واستغل اليهود هذا المجال من مجالات الاستشراق استغلالًا واسعًا حتى أمسى عدد وفير من كراسي الأستاذية للدراسات الاستشراقية في الجامعات الغربية يحتله اليهود؛ يعملون لتحقيق أهداف اليهود، وهم يلبسون بين النصارى أقنعة مزورة، كما أن لليهود مندسين كثيرين في كل مجال من مجالات الاستشراق الأخرى بأسماء يهودية، أو بأسماء مستعارة.