والمقصود أن هؤلاء المنافقين صنفان: أئمة وسادة يدعون إلى النار، وقد مردوا على النفاق. وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم، فأولئك زنادقة مستبصرون، وهؤلاء زنادقة مقلدون.
فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان، لا يجاوز هذه السُّنة؛ اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الإيمان، كحال المستضعف بين الكفار، الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه (^١) المجاهرة بخلاف قومه، ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله - ﷺ - وبعده، وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه.
وعلى هذا فالناس: إما مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإما كافرًا ظاهرًا وباطنًا، أو مؤمن ظاهرًا كافر باطنًا، وإما كافر ظاهرًا مؤمن باطنًا.
والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود، وقد بين القرآن أحكامها: فالأقسام الثلاثة الأُول ظاهرة، وقد اشتملت عليها أول سورة البقرة.
وأما القسم الرابع: ففي (^٢) قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح/ ٢٥]، فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم
_________________
(١) في (أ، ت): «تمكنه»، وهو الأصل.
(٢) في (أ، ت): «فهي»، وهو خطأ.
[ ٥٧ ]
في قومهم ولا يتمكَّنون (^١) من إظهاره، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول الله - ﷺ -، فإنه كان ملك النصارى بالحبشة (^٢)، وكان في الباطن مؤمنًا.
وقد قيل: إنه وأمثاله الذين عناهم الله ﷿ بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران/ ١٩٩].
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ [ظ/ق ١٠ ب] بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران/ ١١٣، ١١٤]، فإن هؤلاء ليس المراد بهم: المتمسكَ باليهودية والنصرانية بعد بعث محمد - ﷺ - قطعًا، فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، فلا يُثْنى عليهم بهذا الثناء.
وليس المراد به: مَن آمن مِن أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه، فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب؛ إلا باعتبار ما كانوا عليه، وذلك الاعتبار قد زال بالإسلام واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين، وإنما يطلق الله سبحانه هذا الاسم على من
_________________
(١) في (ب): «ينتهكون»، وهو خطأ.
(٢) في (أ، ت): «الحبشة»، وهو خطأ.
[ ٥٨ ]
هو باقٍ على دين أهل الكتاب، هذا هو المعروف في القرآن، كقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران/ ٧٠].
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران/ ٦٤].
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴾ الآية [آل عمران/ ٦٥].
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ الآية [البقرة/ ١٤٤]، ونظائره.
ولهذا قال جابر بن عبد الله (^١)، وعبد الله بن عباس (^٢)، وأنس بن مالك (^٣)،
والحسن، وقتادة: إن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
_________________
(١) سيأتي قريبًا.
(٢) ذكره الثعلبي في تفسيره (٣/ ٢٣٨)، والواحدي في تفسيره الوسيط (١/ ٥٣٧)، وفي أسباب النزول (ص/١٣٩).
(٣) أخرجه النسائي في التفسير (١/ ٣٥٦) (١٠٨)، والبزار (٨٣٢ - كشف الأستار)، والواحدي في الوسيط (١/ ٥٣٦)، وابن المنذر في تفسيره (٢/ ٥٤١، ٥٤٢) (١٢٨٧)، وغيرهم من طرقٍ عن حميد الطويل عن أنس. فذكره وفيها نظر واختلاف. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت واختلف عليه. فرواه مؤمل بن إسماعيل عن حماد عن ثابت عن أنس فذكره. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٤٦) (٤٦٨٢). = = وخالفه سليمان بن حرب وابن عائشة فروياه عن حماد بن ثابت عن الحسن فذكره مرسلًا. قلت: هذا هو الصواب، وقال الحافظ ابن حجر: في رواية مؤمل: وفيه لين. العجاب (ص/٣٣٤)، وأما طريق حميد، فإذا كان دلَّسه عن ثابت؛ فالراجح فيه الإرسال عن الحسن البصري كما تقدم، وإن كان محفوظًا بذكْر أنس فهو ثابت، ولا أظنه يثبت والله أعلم.
[ ٥٩ ]
لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ الآية [آل عمران/ ١٩٩] أنها نزلت في النجاشي [ب/ق ١٢ ب].
زاد الحسن (^١) وقتادة (^٢): «وأصحابه».
وذكر ابن جرير في «تفسيره»: من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة عن ابن المسيب عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «اخرجوا فصلوا على أخٍ لكم»، فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات، فقال: «هذا
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره كما في العجاب لابن حجر (ص/٣٣٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٤٦) (٤٦٨٣) من طريق حماد عن ثابت عن الحسن كما تقدم. ورواه أبو بكر بن عياش عن حميد عن الحسن فذكره. أخرجه النسائي في تفسيره (١٠٩). وقد رواه أبو بكر بن عياش على الوجهين: من حديث أنس، ومن قول الحسن البصري.
(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩٨) (٨٣٧٩) ط. شاكر. وسنده صحيح.
[ ٦٠ ]