من أهل الإكرام المطلق.
وكذلك أيضًا إذا قيل: إن الله أنعم على الكافر نعمة مطلقة ولكنه ردَّ نعمة الله وبدلها، فهو بمنزلة من أُعْطِيَ مالًا يعيش به فرماه في البحر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (^١) [إبراهيم/٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ الآية [فصلت/١٧]، فهدايته إياهم نعمة منه عليهم، فبدلوا نعمته وآثروا عليها الضلال.
فهذا فصل النزاع (^٢) في مسألة: هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ وأكثر اختلاف الناس من جهتين إحداهما: اشتراك الألفاظ وإجمالها. والثانية: من جهة الإطلاق والتفصيل.
فصل
وهذه النعمة المطلقة هي التي يُفرَحُ بها في الحقيقة، [ظ/ق ١ ب] والفَرَح بها مما يحبه الله ويرضاه، وهو لا يحب الفَرحِين قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس/ ٥٨].
_________________
(١) زادت النسخة (أ): ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
(٢) سقط من (ت) من قوله: "وآثروا عليها " إلى "النزاع".
[ ٩ ]
وقد دارت أقوال السلف (^١) على أن فضل الله ورحمته: الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه (^٢) أشد فرحًا، حتى إن القلب ليرقص فرحًا ــ إذا باشر روح السنة (^٣) ــ أحزن ما يكون الناس، وهو ممتلئ أمنًا أخوف ما يكون الناس (^٤).
فإن السنة حصن الله الحصين، الذي من دخله كان من الآمنين، وبابه (^٥) الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين، تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، ويسعى نورها بين أيديهم إذا طفئت لأهل البدع والنفاق أنوارهم (^٦)، وأهل السنة هم المبيضَّة وجوههم إذا اسودَّت وجوه أهل البدعة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ الآية [آل عمران/ ١٠٦]، قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والائتلاف،
_________________
(١) انظر: الدر المنثور للسيوطي (٣/ ٥٥٤).
(٢) في (أ): "قلبيًّا"، وفي (ت): "قلبًا" والمثبت أولى.
(٣) قوله: "حتى أن القلب روح السنة"، وقع في (أ، ت): "حتى أن القلب إذا باشر روح السنة ليرقص فرحًا".
(٤) قوله: "وهو ممتلئ أمنًا أخوف ما يكون الناس" سقط من: (ع، مط).
(٥) جاء (ظ): "وبابه حصن الله"، ولعله مقحم سهوًا.
(٦) قوله: "لأهل البدع والنفاق أنوارهم" من (أ، ت، ظ)، ووقع في (ب): "لأهل وجوه البدعة" وهو خطأ.
[ ١٠ ]
وتسودُّ وجوه أهل البدعة والتفرق (^١) (^٢).
وهي الحياة والنور اللذان (^٣) بهما سعادة العبد (^٤) وهداه وفوزه، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام/ ١٢٢]. فصاحب السنة حي القلب مستنيره (^٥)، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه.
وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع، وجعلهما صفة أهل الإيمان، وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان،
فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وفهم عنه، وأذعن (^٦)، وانقاد لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسوله - ﷺ -. والقلب الميت المظلم:
_________________
(١) في (ع): "والافتراق".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (١١٣٩، ١١٤٠ - آل عمران)، والخطيب في تاريخه (٧/ ٣٩٠، ٣٩١)، واللالكائي رقم (٧٤)، وغيرهم. وفيه مجاشع بن عمرو وميسرة بن عبد ربه وقد اتهما بالكذب. تنبيه: ليس في تفسير ابن أبي حاتم: ميسرة بن عبد ربه. انظر: تكميل النفع لمحمد عمرو عبد اللطيف (ص/٥٤ - ٥٨).
(٣) وقع في جميع النسخ: "اللذين"، والمثبت هو الصواب؛ لأنه صفة للحياة والنور.
(٤) في (ظ): "الأبد"، والمثبت أولى.
(٥) من (مط)، وفي (ع): "مستنير"، ووقع في (أ، ب، ظ): "مستنير القلب" بدل "مستنيره"، وجاء في (ت): "فصاحب السنة حيّ، وصاحب البدعة ".
(٦) في (ب): "وأذعن وفهم عنه"، والمثبت أولى.
[ ١١ ]
الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بُعث به رسوله - ﷺ -، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم من (^١) جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة (^٢)، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.
وإذا قُسمت (^٣) الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في (^٤) النار مُظلم، وهذه الظلمة هي التي خُلق فيها الخلق أوَّلًا، فمن أراد الله ﷾ به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد [ظ/ق ٢ أ] وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله خلقَ خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من (^٥) نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول:
_________________
(١) في باقي النسخ: "في".
(٢) من قوله: "وأعمالهم مظلمة كلها مظلمة": سقط من (ت).
(٣) في (ظ): "قُيِّمت".
(٤) في (أ، ت، ظ، ع): "من".
(٥) ليس في (ب).
[ ١٢ ]
جفَّ القلم على علم الله" (^١).
وكان النبي - ﷺ - يسأل الله تعالى أن يجعل له نورًا في قلبه، وسمعه وبصره، وشعره وبشره، ولحمه وعظمه (^٢) ودمه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه وأمامه، وأن يجعل ذاته نورًا (^٣)، فطلب - ﷺ - النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه (^٤) الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.
وقال أُبيُّ بن كعب ﵁: "المؤمن مدخله نور، ومخرجه نور، وقوله نور، وعمله نور" (^٥)، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١/ ٢١٩، ٢٢٠) (٦٦٤٤، ٦٨٥٤)، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٢٤٨ - ٢٥١)، والفريابي في القدر رقم (٦٥ - ٧٠)، وابن حبان (٦١٦٩، ٦٠٧٠)، وابن خزيمة (١٣٣٤) في دعوة سليمان، والحاكم (١/ ٨٤، ٨٥) مطولًا وغيرهم من طرق عن ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو السيباني وعروة بن رويم عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - فذكره وقرن معه حديثًا في "شرب الخمر" وحديثًا "في دعوة سليمان لمَّا بنى مسجد بيت المقدس". وسنده صحيح. والحديث: حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ولم يتعقَّبه الذهبي.
(٢) في (أ، ت، ظ، ع): "وعظامه".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٧٦٣) ــ (١٨١، ١٨٧، ١٨٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) في (أ، ت، ع): "وحواسه".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٠٣) (١٤٦١٩)، والطبري في تفسيره = = (١٨/ ١٣٨) مطولًا، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٤) رقم (٣٥١٠) مطولًا، ولم يذكر الشاهد اختصارًا. من طريق: حجاج وعبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب وفيه: "فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: قد تكلم في رواية أبي جعفر عن الربيع بسبب وصله أحاديث لأبي العالية وجعلها عن أبي بن كعب، قال ابن حبان: "الناس يتَّقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر (أي الرازي) عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا". تهذيب الكمال (٩/ ٦٢) حاشية.
[ ١٣ ]
لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه وبيمينه. فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن (^١) منهم من يُعطى نورًا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أُخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.
وقال ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ الآية [الشورى/٥٢].
_________________
(١) من: (ظ) فقط.
[ ١٤ ]