فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خُلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدُّوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات.
وقال جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ الآية [الأنعام/١٢٢] فأحياه سبحانه [ظ/ق ٢ ب] وتعالى بروحه الذي هو وحيه، وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورًا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة، فهو يرى أهل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان.
فصل
والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلَّبون (^١) في عشر ظلمات:
ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.
_________________
(١) في (ع): "يتعوَّكون"، وكذلك ما بعده، وقد طُمس عليها في (ظ).
[ ١٦ ]
وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأُمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره، فإن لكلٍّ منهم نورين (^١)، ولنبينا - ﷺ - تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام، كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة (^٢).
وقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد/٢٨].
وفي قوله ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾: إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مُجْدٍ عليهم، ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه.
وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومَنْ سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم (^٣) ولا لأقوالهم (^٤)، ولا لأقدامهم إلى الطاعات. وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم.
_________________
(١) ليس في (ب). ووقع في (مط): "فإن لكل نبي منهم نورين".
(٢) انظر: الفروسية المحمدية (ص/٨٧).
(٣) من (أ، ت، ع) فقط.
(٤) من (ب، ظ) فقط.
[ ١٧ ]