فصل
وقد اشتمل هذان المثلان على حِكَمٍ عظيمة:
منها: أن المستضيء [ظ/ق ١١ أ] بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قِبَلِ نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، وهكذا المنافق لمَّا أقر بلسانه من غير اعتقادٍ ومحبةٍ بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار.
ومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان؛ فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم (^١) به ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ، كما تطفأ النار بفراغ مادتها.
ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين وأشقُّهما على من كانت حظّه. وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمُثِّلت حاله بحال المستوقد للنار (^٢) الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما (^٣) الكافر (^٤) فهو في الظلمات
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب «تقوم».
(٢) في (أ، ت): «النار».
(٣) في (ظ): «فأما».
(٤) قوله: «الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر» سقط من (ت).
[ ٦٢ ]
لم يخرج منها قط.
ومنها: أن [ب/ق ١٣ أ] في هذا المثل إيذانًا وتنبيهًا على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورًا ظاهرًا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرًا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون (^١) إليه، إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ويبقون في الظلمة على الجسر (^٢) لا يستطيعون العبور، فإنه لا يمكن أحدًا عبوره إلا بنورٍ ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح وإلا (^٣) ذهب الله تعالى به أحوج ما كان (^٤) إليه صاحبه، فطابق مَثَلهم في الدنيا بحالهم (^٥) التي هم عليها في هذه الدار، وبحالهم يوم القيامة عندما تُقْسم الأنوار دون الجسر، ويثبت نور المؤمنين ويطفأ نور المنافقين.
ومن هاهنا تعلم السِّرَّ في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة/١٧]، ولم يقل: أذهب الله نورهم، فإن أردت زيادة بيان وإيضاح فتأمل ما رواه
_________________
(١) في (ظ): «يكون» وهو خطأ. وفي (أ، ت): «يكونوا».
(٢) في (ب): «ويبقوا على الجسر في الظلمة»، والصواب ما أثبتُّه.
(٣) كذا في جميع النسخ! ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها، وهو استعمال عامِّي ملحون في زمن المؤلف، وله أمثلة كثيرة في كتب المؤلف وشيخه وغيرهما. انظر طريق الهجرتين (١/ ٤٤ - ٤٥) مع تعليق محققه عليه.
(٤) في نسخةٍ على حاشية (ت): «يكون».
(٥) في (ب): «بحالتهم».
[ ٦٣ ]
مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ ــ وقد سُئل عن الورود ــ فقال: نجيء نحن يوم القيامة على تلٍّ (^١) فوق الناس قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا ﵎ بعد ذلك، فيقول من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك، فيتجلَّى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله تعالى، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله [ظ/ق ١١ ب]، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيُجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشُّون عليهم الماء (^٢)، وذكر باقي الحديث.
فتأمَّل قوله: «فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم نورًا المنافق والمؤمن»، ثم تأمَّل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وتأمل حالهم إذا طفئتْ أنوارهم فبقوا في الظلمة، وقد ذهب
_________________
(١) قوله: «على تلٍّ» ليس عند مسلم، وفي المسند (١٤٧٢١): «على كومٍ».
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٩١).
[ ٦٤ ]
المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم عزوجل.
وتأمل قوله - ﷺ - في حديث الشفاعة: «لِتَتْبع كل أُمة ما كانت تعبد» (^١) فيتبع كل (^٢) مشرك إلهه الذي [ب/ق ١٣ ب] كان يعبده، والموحد حقيق بأن يتبع إلهه (^٣) الإله الحق، الذي كل معبود سواه باطل.
وتأمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم/٤٢]، وذِكْرَ هذه
الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه» (^٤). وهذه الإضافة تُبيِّن المراد بالساق المذكورة
في الآية.
وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا وذلك؛ يفتح لك بابًا من أسرار التوحيد وفهم القرآن، ومعاملة الله ﷾ لأهل توحيده الذين عبدوه وحدهم ولم يشركوا به شيئًا، هذه المعاملة التي
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) قوله: «فيتبع كل» سقط من (ب).
(٣) من (ظ) فقط.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في (٦٨) التفسير، (٣٩٤) باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم/ ٤٢] (٤/ ١٨٧١) (٤٦٣٥). وفي «التوحيد» (١٠٠) باب (٢٤) قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/ ٢٢، ٢٣] (٦/ ٢٧٠٦) (٧٠٠١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، لكن ليس في هذا ذكر الآية.
[ ٦٥ ]
عامل بمقابلها أهل الشرك، حيث ذهبت كل أمة مع معبودها؛ فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه، فسبحان الله رب العالمين الذي قرَّت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه (^١) أحوج ما كانوا إليهم.
ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي: الضلال والحيرة التي ضدّها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضدّه الأمن، فلا هدى ولا أمن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام/٨٢]، قال ابن عباس (^٢) وغيره (^٣) من السلف: «مثل هؤلاء في نفاقهم، كمثل رجل أوقد نارًا في ليلةٍ مظلمةٍ في مفازة، فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينما (^٤) هو كذلك إذ طَفئت (^٥) ناره فبقي في ظلمة خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون بإهار كلمة الإيمان أمِنُوا على أموالهم وأولادهم،
_________________
(١) سقط من (ظ).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٢١) (٣٨٧ - شاكر)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٥٠) (١٥٨) وغيرهما وسنده حسن. وله طرق أخرى عن ابن عباس عند الطبري (٣٨٦، ٣٨٨).
(٣) كابن مسعود «وفي ثبوته نظر»، وأبي العالية والضحاك وقتادة. انظر: تفسير الطبري (١/ ٣٢٢، ٣٢٣).
(٤) في (أ، ت): «فبينا».
(٥) في (ظ): «أُطفئت».
[ ٦٦ ]
وناكحوا المؤمنين ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف».
قال مجاهد: «إضاءة النار لهم إقبالهم على المسلمين (^١) والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة» (^٢).
وقد فُسِّرت تلك الإضافة وذهاب النور بأنها في الدنيا. وفُسِّرت بالبرزخ. وفُسِّرت بيوم القيامة. والصواب أنَّ ذلك شأنهم في الدور الثلاثة، فإنهم لمَّا كانوا كذلك في الدنيا جُوزوا [ظ/ق ١٢ أ] في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ/٢٦] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت/٤٦]، فإن المعاد يعود على العبد فيه ما كان حاصلًا له في الدنيا، ولهذا يُسمى يوم الجزاء، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي [ب/ق ١٤ أ] الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٧٢]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ الآية [مريم/٧٦].
ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ، ويوم المعاد أعظم وأشد. ومن قَرَّتْ عينه به في الحياة
_________________
(١) عند الطبري: «المؤمنين».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٢٣، ٣٢٤) (٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٥١) (١٦١) وغيرهما. وهو ثابت عنه.
[ ٦٧ ]