أعلم - النور [/ق ٤ ب] المذكور في حديث أبي ذر ﵁ "رأيت نورًا" (^١).
فصل
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ الآية [النور/٣٥].
هذا مَثَلٌ لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبيُّ بن كعب (^٢) وغيره.
وقد اختلف في مفسِّر (^٣) الضمير في "نوره":
فقيل: هو النبي - ﷺ -، أي مثل نور محمد - ﷺ -.
وقيل: مفسِّره المؤمن، أي مثل نور المؤمن.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص/٢١).
(٢) كذا في جميع النسخ، ونسبه المؤلف لأُبيِّ بن كعب في "الفوائد" و"الوابل الصيِّب" و"مدارج السالكين" و"مفتاح دار السعادة"، ولم أجده منقولًا عن أُبيّ بمثل ما ذكره المؤلف، والمنقول عن أُبيّ بن كعب في عامة كتب التفاسير من السلف والخلف: أن الضمير في قوله "نوره" يعود على المؤمن، انظر البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤١٨ - ٤١٩)، فلعل المؤلف تبع شيخه: ابن تيمية في هذه النسبة لأُبيّ كما في مجموع الفتاوى (٢/ ٣٨٣)، (٧/ ٦٤٩)، و"الجواب الصحيح"، كما تبعه الحافظ ابن رجب الحنبلي على ذلك في "فتح الباري" و"جامع العلوم والحكم".
(٣) في (ظ) خرم فذهبت هذه الكلمة وما بعدها.
[ ٢٣ ]
والصحيح أنه يعود على الله ﷿، والمعنى: مثل نور الله ﷾ في قلب عبده. وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله - ﷺ -، فهذا مع ما تضمنه عود الضمير إلى (^١) المذكور، وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم معنى ولفظًا.
وهذا (^٢) النور يضاف إلى الله تعالى: إذ هو مُعطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد: إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.
فالفاعل: هو الله تعالى، مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء.
والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.
وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم.
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان (^٣):
إحداهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا وأسلم من
_________________
(١) سقط من (ظ، مط).
(٢) في (أ، ع): "وهو" خطأ.
(٣) في (ظ): "طريقان".
[ ٢٤ ]
التكلُّف، وهي أن تُشَبَّه الجملة بِرُمَّتها بنور المؤمن (^١)؛ من غير تعرُّض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامَّة أمثال القرآن.
فتأمل صِفة "مشكاة" وهي: كُوَّة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدُّرِّي في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمِّها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القَرَاح (^٢) [ب/ق ٥ أ] لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مَثَلُ نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصَّه [ظ/ق ٤ أ] به.
والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصَّل.
فقيل: المشكاة: صدر المؤمن، والزجاجة: قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق
_________________
(١) كذا في جميع النسخ! فليتأمَّل.
(٢) القَرَاح: الماء الذي لم يخالطه شيء. اللسان (٢/ ٥٦١).
[ ٢٥ ]
برقته (^١).
وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء (^٢)، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى، ويتصلب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى، وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقُّها وأصلبها وأصفاها" (^٣).
والمصباح: هو نور الإيمان في قلبه. والشجرة المباركة: هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق، وهي مادة المصباح التي
_________________
(١) في (ت، ع): "فهو يرحم برقته ويحسن ويتحنَّن ويشفق على الخلق".
(٢) في (ع): "الصفات" وهو خطأ.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في الزهد رقم (٢٢٧٣) عن خالد بن معدان وسنده صحيح، ووصله محمد بن القاسم الأسدي فجعله من مسند أبي أمامة. أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد (٨٢٧). ورفعه باطل، والأسدي اتهم بالكذب، والصواب المقطوع كما تقدم. وورد من مسند أبي عتبة الخولاني مرفوعًا بنحوه. أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٨١٧) وغيره. والحديث جوَّده العراقي، وحسنه الهيثمي، ورفعه خطأ، والصواب وقفه. انظر: تهذيب الكمال للمزي (٣٤/ ١٥١)، والسلسلة الصحيحة رقم (١٦٩١).
[ ٢٦ ]
يَتَّقِد (^١) منها. والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور؛ ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل (^٢) ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه أن (^٣) الذي جاء به الرسول - ﷺ - هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه الشبه [ب/ق ٥ ب] الباطلة، والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات، التي يسميها (^٤) أهلها القواطع العقليات، فهي (^٥) في صدره كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور/٤٠].
فانظر كيف انتظمت (^٦) هذه الآيات طوائف بني آدم كلهم أتمَّ
_________________
(١) في "ظ": "يتوقَّد".
(٢) في (ع، ت): "على".
(٣) من (ظ، ت) فقط.
(٤) في (ع): "تسمِّيها".
(٥) في (ت، ع): "فهنَّ".
(٦) وقت في (ظ): "نظمت"، والمثبت أولى.
[ ٢٧ ]