وفي "صحيح مسلم" (^١) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٢).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر ﵁، قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى (^٣) أراه" (^٤).
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه يقول: معناه كان ثَمَّ نور، أو حال دون رؤيته نور فأنّى أراه. قال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: "هل رأيت ربك؟ " فقال: "رأيت نورًا" (^٥).
وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحَّفه بعضهم، فقال: "نورانيٌّ (^٦) أراه" على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة
_________________
(١) في (أ، ت، ظ، ع): "البخاري" وهو خطأ، وكتب ناسخ (ظ) على كلمة "البخاري": "مسلم".
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٧٩).
(٣) سقط من (ع).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٧٨، ٢٩١).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٧٨ - ٢٩٢).
(٦) سقط من (ت): "فقال: نور".
[ ٢١ ]
واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله - ﷺ - رأى ربه وكان قوله: "أنَّى أراه" كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث، وردَّه بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل.
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "الرد له" (^١) إجماع الصحابة على أنه - ﷺ - لم يَرَ ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك، وشيخنا (^٢) يقول: ليس ذلك بخلافٍ في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى (^٣) الروايتين حيث قال: إنه - ﷺ - رآه، ولم يقل بعيني رأسه (^٤). ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس [ظ/ق ٣ ب] ﵄. اهـ.
ويدل على صحة ما قاله شيخنا في معنى (^٥) حديث أبي ذر ﵁، قوله - ﷺ - في الحديث الآخر: "حجابه النور" (^٦). فهذا النور هو - والله
_________________
(١) هو نقض الدارمي على بشر المريسي (ص/١٦٦، ١٦٧)، ط. أضواء السلف.
(٢) يعني: ابن تيمية.
(٣) في (ب): "أحد"، وفي (ع): "بإحدى" بدل "في إحدى".
(٤) انظر هذه الرواية في: المسند (٣٥/ ٣١٢) رقم (٢١٣٩٢)، وفي مجموع الفتاوى (٣/ ٣٨٦، ٣٨٧).
(٥) ليس في (ت).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٧٩).
[ ٢٢ ]