الدنيا قرت عينه به يوم لقائه (^١) عند الموت ويوم البعث. فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا، أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا، فيعود عليه حكم العمل الصالح باطنًا فيورثه من الفرحة والسرور واللذة والبهجة (^٢) والنعيم وقوة القلب واستبشاره وحياته وانشراحه واغتباطه= ما هو أفضل النعيم وأجلّه وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس وفرحة القلب وسروره وانشراحه واستبشاره. هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه، وبحسب تنوعه، فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يلتذُّ (^٣) بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر (^٤) أعماله هنا، وكان مزيده بتنوعها والابتهاج بها والالتذاذ بنيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار.
_________________
(١) في (أ، ب، ت): «القيامة».
(٢) في (مط): زيادة جملة وهي: «وقُرَّة العين».
(٣) في (ب): «يلتزم».
(٤) في (ظ): «تكثير».
[ ٦٨ ]
وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرًا وجزاء ولذة وألمًا يخصه، لا يشبه (^١) أثر الآخر وجزاؤه، ولهذا تنوعت لَذَّات أهل الجنة وآلام أهل النار، وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات، فليست لذة من ضَرَبَ في كل مرضاةٍ لله (^٢) بسهم وأخذ (^٣) منها بنصيب كَلَذَّة من أنمى سهمه ونصيبه في نوعٍ واحدٍ منها، ولا ألمُ من ضرَب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهمٍ واحدٍ من مساخطه.
وقد أشار النبي - ﷺ - إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، فرأى قنوًا من حشف معلقًا في المسجد للصدقة، فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة» (^٤)، فأخبر أن جزاءه [ظ/ق ١٢ ب] يكون من جنس
_________________
(١) في (أ، ب): «لا يشبهه».
(٢) في (ظ): «مرضاةِ اللّهِ للّه»، وفي (أ): «مرضاةِ لله»، وفي (ت): «مرضاةٍ بسهم».
(٣) في (أ، ظ): «واحدٍ».
(٤) أخرجه أبو داود (١٦٠٨)، وابن ماجه (١٨٢١)، والنسائي (٢٤٩٣)، وأحمد (٣٩/ ٣٩٨، ٤٢٦) رقم (٢٣٩٧٦، ٢٣٩٩٨)، وابن خزيمة (٢٤٦٧)، وابن حبان (٦٧٧٤)، والحاكم (٤/ ٤٧٢) (٨٣١٠) وغيرهم من طريق صالح بن أبي عريب عن كثير بن مُرَّة عن عوف بن مالك فذكره مطولًا. قلت: صالح بن أبي عريب، روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: «لا يُعرف له حال، ولا يُعرف»، وقال ابن حجر: «مقبول». = = لكن صحَّح حديثه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ولم يتعقَّبه الذهبي. انظر: تهذيب الكمال (١٣/ ٧٣) مع الحاشية.
[ ٦٩ ]
عمله، فيجزى على تلك [ب/ق ١٤ ب] الصدقة بحشف من جنسها.
وهذا الباب يفتح لك أبوابًا عظيمة من فهم المعاد، وتفاوت الناس في أحواله، وما يجري فيه من الأمور المتنوعة:
فمنها: خِفَّة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره، فإنه بحسب خِفَّة وزره وثقله، إنْ خفَّ خف، وإن ثقلَ ثقل.
ومنها: استظلاله بظل العرش، أو ضحاؤه للحرِّ (^١) والشمس، إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان ما يظله في هذه (^٢) الدار من حرِّ الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن، وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي (^٣) والمخالفات والبدع والفجور ضَحَى هناك للحرِّ الشديد.
ومنها: طول وقوفه في الموقف ومشقَّته عليه وتهوينه؛ إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا لله، وتحمَّل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته= خفَّ عليه الوقوف ذلك اليوم وسهل عليه، وإن آثر الراحة (^٤)
_________________
(١) في (ب): «الحرّ».
(٢) في (ب): «زهرة».
(٣) في (مط): «للمعاصي».
(٤) قوله: «الوقوف ذلك اليوم، وسهل عليه، وإن آثر الراحة» سقط من (ب).
[ ٧٠ ]
هنا والدَّعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك ذلك اليوم (^١)، واشتدت مشقته عليه.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان/٢٣ - ٢٧]، فمن سَبَّح الله ليلًا طويلًا لم يكن ذلك اليوم ثقيلًا عليه، بل كان أخف شيء عليه.
ومنها: أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمل ثقل الحق في هذه الدار؛ لا بحسب مجرد كثرة (^٢) الأعمال، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه، وبذله إذا سُئل وأخذه (^٣) إذا بُذل، كما قال الصديق ﵁ في وصيته لعمر: «واعلم أن لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم (^٤) الحق، وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا، وحُقَّ لميزانٍ يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلًا. وإنما خفَّت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفَّته عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه
_________________
(١) قوله: «ذلك اليوم» من (ظ) فقط.
(٢) سقط من (ظ).
(٣) علَّق ناسخ (ب) عليه بقوله: «كذا».
(٤) في (أ): «إلا باتباعهم».
[ ٧١ ]
الباطل أن يكون خفيفًا » (^١).
ومنها: أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر [ب/ق ١٥ أ] بحسب ورودهم سنة رسول الله - ﷺ - وشربهم منها، فمن [ظ/ق ١٣ أ] وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلَّع وَرَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلَّع، فَلَهُ - ﷺ - حوضان عظيمان، حوض في الدنيا وهو: سُنَّته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل ومستكثر، والذين يذودونهم (^٢) هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها، فمن ظمِئ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شِرْبٌ فهو في الآخرة أشدُّ ظمأً وأحرُّ كبدًا، وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول: يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله، فيقول: لكني والله ما شربت، واعطشاه!.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥/ ١٣٤ - التفسير) وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٠/ ٥٨٤، ٥٨٥) رقم (٣٨٢١١)، والربعي في الوصايا (ص/٣٩، ٤٠)، وابن عساكر في تاريخه (٣/ ٤١٤)، والخلال في السنة (٣٤٥)، وأبو داود في الزهد (٢٨) وغيرهم، من طريق ابن أبي نجيح وعبد الرحمن بن سابط وزبيد اليامي وأبي المليح عن أبي بكر الصديق فذكره. وكلها منقطعة، لم يسمعوا من أبي بكر الصديق.
(٢) في (ظ): «يذودونهم»، والصواب المثبت.
[ ٧٢ ]
فَرِدْ أيها الظمآن والورد ممكن فإن لم ترد فاعلم بأنك هالكُ
وإن لم يكن رضوان يسقيك شربة سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالكُ (^١)
وإن لم ترد في هذه الدار حوضه ستصرف عنه يوم يلقاك آنُكُ (^٢)
ومنها: قسمة الأنوار في الظلمة دون الجسر، فإن العبد يُعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه ويقينه، وإخلاصه ومتابعته للرسول - ﷺ - في دار الدنيا.
فمنهم: من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءةً. ومنهم: من يكون نوره كالسراج في قوَّته وضعفه وما بين ذلك. ومنهم: من يُعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أُخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهو هذا النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى عيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه، إن كان له (^٣) نور مشى في نوره، وإن لم يكن له (^٤) نور أصلًا لم ينفعه نور غيره.
ولمَّا كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمرٍّ ولا متصل بباطنه، ولا له مادة من الإيمان أُعطي في الآخرة [ب/ق ١٥ ب] نورًا
_________________
(١) قوله: «إذ أنت ظمآن مالك» سقط من (ت).
(٢) في (ب): «آفك» وهو خطأ، والأبيات من إنشاد المؤلف.
(٣) سقط من (ب).
(٤) سقط من (ب).
[ ٧٣ ]
ظاهرًا لا مادة له، ثم يُطفَى عنه أحوج ما كان إليه.
ومنها: أن مَشْيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة (^١) سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك.
وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا (^٢) أثبتهم هناك، ومن خطفته (^٣) كلاليب الشهوات والشبهات [ظ/ق ١٣ ب] والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات (^٤) والبدع فيه هاهنا، فناجٍ مسلَّم، ومخدوش مسلَّم، ومخزول (^٥) - أي: مقطَّع بالكلاليب - مكردس في النار كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا، جَزَاءً وِفَاقًا (^٦) وما ربك بظلام للعبيد (^٧).
_________________
(١) ليس في (ب).
(٢) ليس في (ب).
(٣) في (ب): «حفظته»، وهو خطأ.
(٤) سقط من (ب، ظ).
(٥) في (أ): «مخردل».
(٦) يُشير إلى قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ/ ٢٦].
(٧) يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت/ ٤٦].
[ ٧٤ ]