الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (^١).
أضاء لهم نور الوحي المبين فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله (^٢) من الحكمة وفصل الخطاب، إن عندهم إلا نخالة (^٣) الأفكار وزبالة الأذهان، التي قد رضوا بها واطمأنوا إليها، وقدّموها على السنة والقرآن، إن في صدورهم إلا كبر (^٤) ما هم ببالغيه (^٥) أوجبه لهم اتباع الهوى ونخوة الشيطان، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان.
فصل:
القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة/٦٩].
(٢) في (ب، ت): "رسله".
(٣) في (ظ، ت): "نحاته"، وفي (ع): "انتحالة".
(٤) قوله: "إن في صدروهم إلا كبر" جاء في (ظ، ع): "في صدورهم كبر".
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر/٥٦].
[ ٢٩ ]
سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ [ب/ق ٦ أ] الْهُدَى﴾ [النجم/٢٣].
وهؤلاء: قسمان:
أحدهما: الذين يحسبون (^١) أنهم على علم وهدى، وهم أهل جهلٍ وضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه (^٢) ويوالون أهله وهم يحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون (^٣)، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هم إليه، ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان كما هو حال من أمَّ (^٤) السراب فلم يجده ماءً، بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين وأعدل العادلين ﷾، فحسب له (^٥) ما عنده من العلم والعمل ووفَّاه إياه
_________________
(١) قوله: "أحدهما: الذين يحسبون" سقط من (ت).
(٢) ليس في (ظ، ع).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة/١٨].
(٤) في (ع): "رام"، وكلاهما بمعنى: قَصَد.
(٥) في (ت): "إلى".
[ ٣٠ ]
بمثاقيل الذَّر، وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباءً منثورًا (^١)؛ إذ لم يكن خالصًا لوجهه، ولا على سنة رسوله - ﷺ -، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسراتٍ عليه.
والسراب: ما يرى في الفلوات المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري.
والقِيعةُ (^٢) والقاع هو: المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا وادٍ.
فشَبَّه علوم من لم يأخذ علومه من (^٣) الوحي وأعماله بسراب يراه المسافر في شدة الحرِّ، فيؤمُّه فيخيب ظنه [ظ/ق ٥ أ] ويجده نارًا تلظَّى، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حُشِرَ الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب فيحسبونه ماءً، فإذا أتوه وجدوا الله عنده فأخذتهم زبانية العذاب فعتلوهم إلى نار الجحيم، فسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم (^٤)، وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع،
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان/٢٣].
(٢) في (ب): "البقيعة".
(٣) في (ب، ت): "عن".
(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد/١٥].
[ ٣١ ]
والأعمال التي كانت لغير الله تعالى صيرها الله تعالى حميمًا سقاهم إياه، كما أن طعامهم من ضريع لا يُسمن ولا يُغني من جوع (^١)، وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا تسمن ولا تغني من جوع، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ [ب/ق ٦ ب] أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف/١٠٣، ١٠٤]، وهم الذين عنى الله بقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان/٢٣]، وهم الذين عنى بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٧].
القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنْغمِسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجهٍ، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نورٍ من (^٢) الله.
﴿كَظُلُمَاتٍ﴾: جمع ظُلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية/٦، ٧].
(٢) سقط من (ب).
[ ٣٢ ]
عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله (^١) صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدًا - ﷺ - من الهدى ودين الحق يتقلَّب (^٢) في خمس ظلمات: قوله ظُلْمة، وعمله ظُلمة، ومدخله ظُلمة، ومخرجه ظُلمة، ومصيره إلى الظُّلمة (^٣)، فقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم، وإذا قابلت بصيرته الخفَّاشيَّة ما بعث الله به محمدًا - ﷺ - من النور جَدَّ في الهرب منه وكاد نوره يخطف بصره فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي أنسب به (^٤) وأولى، كما قيل:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه ووافقها (^٥) قطع من الليل مظلم (^٦)
_________________
(١) في "ظ": "رسوله".
(٢) في (ت): "ينقلب".
(٣) في (ظ): "ظلمة".
(٤) من (ظ، ع)، وفي (ت): "به أنسب". وفي (ب): "بها أنسب".
(٥) في (ت): "ووافتها".
(٦) في (ت): "مظلمه". والبيت لم أقف على قائله، ولعل قائله أخذه من قول ابن الرومي في ديوانه (١/ ١٥٧): خفافيش أعشاها نهار بضوئه ولاءمها قطع من الليل غيهب وأنشد المؤلف في المدارج وغيره: خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قطع من الليل باديا
[ ٣٣ ]
فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ونحاتة الأذهان (^١)، جال وصال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع. فإذا طلع نور الوحي وشمس الرسالة انجحر في أجحرة الحشرات.
وقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ اللُّجِّيُّ (^٢): العميق، منسوب إلى لُجَّة البحر، وهو مُعْظمُه. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ تصوير لحال (^٣) هذا المعرض عن وحْيه، فشَبَّه تلاطم أمواج الشُبه والباطل [ظ/ق ٥ ب] في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر، وأنها أمواج بعضها فوق بعض، والضمير الأول في قوله: ﴿يَغْشَاهُ﴾ راجع إلى البحر. والضمير الثاني في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ عائد إلى الموج، ثم (^٤) إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب، [ب/ق ٧ أ] فه؟هنا ظلمات (^٥): ظلمة البحر اللُّجِّي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله إذا أخرج مَنْ (^٦) في هذا البحر يده لم يكد يراها.
واختُلِف في معنى ذلك، فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة
_________________
(١) في (ظ): "نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان".
(٢) سقط من (ت، ع).
(٣) في (ب، ع): "بحال".
(٤) سقط من (ت).
(٥) سقط من (ت، ع).
(٦) في (ظ): "ممن".
[ ٣٤ ]
رؤيتها، وهو أبلغ من نفي الرؤية، فإنه قد ينتفي وقوع الشيء ولا تنتفي مقاربته، فكأنه قال: لم يقارب رؤيتها بوجه.
قال هؤلاء: وكاد من أفعال المقاربة، لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات، فإذا قيل: كاد يفعل، فهو إثبات لمقاربة الفعل، فإذا (^١) قيل: لم يكد يفعل، فهو نفي لمقاربة الفعل.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا دالٌّ على أنه إنما يراها بعد جُهد شديد، وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العُسر؛ لأجل تلك الظلمات، قالوا: لأن كاد لها شأن (^٢) ليس لغيرها من الأفعال: فإنها إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، فإذا قلت: ما كدت أصِلُ إليك، فمعناه: وصلتُ إليك بعد الجهد والشدة. فهذا إثبات للوصول، وإذا قلت: كاد زيد يقوم، فهي نفي لقيامه (^٣)، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن/١٩] ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾ الآية [القلم/٥١].
وأنشد بعضهم في ذلك ملغِزًا:
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة (^٤) جرت في لسانَيْ جرهم وثمود
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، والأولى: "وإذا".
(٢) من (ب، ظ)، ووقع في (ت، ع): "مبانٍ".
(٣) قوله: "فهو نفي لقيامه" في (ظ): "فهو نفي لنفي قيامه".
(٤) في (ع): "كلمة".
[ ٣٥ ]
إذا استعملت في صورة النفي أثبتت وإن أُثبِتت قامت مقام جحود (^١)
وقالت فرقة ثالثة منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره: إن استعمالها مثبتة يقتضي نفي خبرها كقولك (^٢): كاد زيد يقوم. واستعمالها منفية يقتضي نفيه بطريق الأولى، فهي عنده تنفي (^٣) الخبر سواء كانت منفية أو مثبتة (^٤)، فلم يكد زيد يقوم، أبلغ عنده في النفي مِنْ: لم يَقُم، واحتجَّ بأنها إذا نفيت وهي من أفعال المقاربة فقد نفت مقاربة الفعل وهو أبلغ من نفيه، وإذا استعملت مثبتة فهي تقتضي مقاربة اسمها لخبرها، وذلك يدل على عدم وقوعه. واعتذر عن مثل قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ الآية [البقرة/٧١] وعن مثل قولهم: وصلت إليك وما كدت أصِل. وسَلمت وما كدت [ب/ق ٧ ب] أسلم [ظ/ق ٦ أ]؛ بأن هذا وارد على كلامين متباينين، أي: فعلت كذا بعد أن لم أكن مقاربًا له، فالأول: يقتضي وجود الفعل، والثاني: يقتضي أنه لم يكن مقاربًا له (^٥)؛ بل كان آيسًا منه، فهما كلامان مقصود بهما أمران متغايران.
_________________
(١) نسبه ابن هشام في "مغني اللبيب" (ص/٨٦٨) لأبي العلاء المعرِّي.
(٢) في (ت، ع): "كذلك".
(٣) في (ب): "نفي".
(٤) في (ت، ظ، ع): "مثبتة أو منفية".
(٥) سقط من (ب).
[ ٣٦ ]
وذهبت فرقة رابعة: إلى الفرق بين ماضيها ومستقبلها، فإذا كانت في الإثبات فهي لمقاربة الفعل؛ سواء كانت بصيغة الماضي أو (^١) المستقبل. وإن كانت في ظرف النفي، فإن كانت بصيغة المستقبل كانت لنفي الفعل ومقاربته، نحو قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور/ ٤٠]. وإن كانت بصيغة الماضي فهي تقتضي الإثبات، نحو قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة/ ٧١].
فهذه أربعة طرق للنحاة في هذه اللفظة، والصحيح أنها فعل يقتضي المقاربة، ولها حكم سائر الأفعال، ونفي الخبر لم يُستفد من لفظها ووضعها؛ فإنها لم توضع لنفيه، وإنما استفيد من لوازم معناها، فإنها إذا اقتضت مقاربة (^٢) الفعل لم يكن واقعًا فيكون منفيًا باللزوم، وأما إذا استعملت منفية، فإن كانت في كلام واحدٍ فهي لنفي المقاربة، كما إذا قلت: لا يكاد البطَّال يفلح، ولا يكاد البخيل يسود، ولا يكاد الجبان يفرح، ونحو ذلك. وإن كانت في كلامين اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقاربًا، كما قال ابن مالك، فهذا التحقيق في أمرها.
والمقصود أن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إما أنه يدل (^٣) على أنه
_________________
(١) في (ب): "و" بدل "أو".
(٢) في (ع): "مقارنة" وهو خطأ.
(٣) في (ظ): "يدخل" وهو خطأ. وكأنَّ في السياق سقطًا.
[ ٣٧ ]
لا (^١) يقارب رؤيتها لشدة الظلمة وهو الأظهر، فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها.
قال ذو الرمة:
إذا غَيَّر النأيُ المُحبين لم يكد رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّة يبرحُ (^٢)
أي لم يقارب البراح، وهو الزوال؛ فكيف يزول.
فشبَّه سبحانه أعمالهم أولًا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خدَّاع يخدع رائيه من بعيد، فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمّله ورجاه.
وشبهها ثانيًا في ظلمتها وسوادها، لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان، بظلمات متراكمة في لُجَجِ البحر المتلاطم الأمواج الذي قد غشيه السحاب من فوقه، فيا له تشبيهًا ما أبدعه، وأشدَّه [ب/ق ٨ أ] مطابقة بحال (^٣) أهل البدع والضلال، وحال مَنْ عَبَدَ الله ﷾ على خلاف ما بعث به رسوله - ﷺ - وأنزل به كتابه!
_________________
(١) في (ع): "لم".
(٢) انظر: ديوان ذي الرمة (ص/٤١٤)، بشرح الخطيب التبريزي، وانظر قصته مع ابن شبرمة في تغييره قول: (لم يكد) إلى (لم أجد) (ص/٦٨٢، ٦٨٣).
(٣) في (ع): "لحال".
[ ٣٨ ]