ثالثًا: إهانة الجسد، ومواصلة تعذيبه كأساس للرهبانية في ميزان الدين والعقل، لقد رضي الخالق -وهو أعلم بمن خلق- للبشرية أن تمارس حياتها الطبيعية، وأن تتمتع بزينة الحياة الدنيا والطيبات من المأكل والمشرب والملبس، وهذه سنة الله من لدن آدم -﵇، بخلاف الفكر البوذي والنصراني، الذي يتنافس في إهانة الجسد وتعذيبه بزعم التقرب إلى الله، كما أسلفنا أثناء عرض أسس الرهبنة، وجاء الإسلام يعطي كل ذي كل حقٍّ حقَّه، وكان من شعاره: «إن لبدنك عليك حقًّا»، وحديث الرهط، والذين كان يريد أحدهم أن يعذب جسده بمواصلة الصوم فنهاه النبي -﵌.
[ ٢٧٧ ]
وقد أوضح النبي -﵊- أن الاعتناء بالجسم من مظاهر التقرب إلى الله -﷿- في مثل: الوضوء قبل الصلاة، والغسل يوم الجمعة، وفي حب الله -﷿- للمتطهرين بإزالة الوسخ والأذى الذي لحقهم، وهكذا هدي الإسلام في العناية بالجسم والمبالغة في طهارته؛ ولأن فطرة الإنسان جُبلت على النظافة، وقد أمر الإسلام بستر العورة، وأخذ الزينة، وفي ذلك قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٢٦)، كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١).
وهكذا جمع الإسلام بين خير الأمرين: أخذ بالحظ المعتدل من الدنيا والأجر العظيم في الآخرة. أما الفكر الرهباني فيتصادم مع العقل والواقع، وينحرف عن الوسطية في الوقت الذي يأتي بالأعاجيب في تعذيب وإهمال الجسد تفريطًا في حقه، وجاء الآخرون من بعدهم مما لا يرضى به المسيح عيسى بن مريم -﵇- إفراطًا فأهلكوا الجسد والروح.