رابعًا: الاعتزال والعزلة كأساس للرهبنة في الميزان: يزعم الفكر الرهباني في البوذية والنصرانية أن العزلة واعتزال الحياة الاجتماعية شرط للانقطاع إلى الله، وأساس للتقرب إليه، والناظر بعين الحق يتضح له أن النصوص الدينية والمسلمات العقلية لا تؤيد ذلك؛ حيث إن سيدنا آدم لم يعتزل الخلق ولا أمر أبناءه بذلك؛ بل شارك في معترك الحياة العامة، وقال الله له في التوراة: "بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها"، وكأن العمل لا يتوقف حتى ينتهي عمر الإنسان، ثم تستنهض التوراة همم الكسالى، وتضرب
[ ٢٧٨ ]
لهم مثلًا بالنملة قائلة: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكن حكيمًا، إلى متى تنام أيها الكسلان؟! ".
بل تحدد التوراة مهمة آدم، وهي عمارة الكون حينما تقول: "فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل في الأرض التي أخذ منها".
وعلى ذلك سار المسيح، فكثيرًا ما ضرب الأمثال لهم، ومنها مثل الزرع، سيدنا موسى اشتغل برعي الغنم شأن كثير من الأنبياء، وفي الإسلام احتلَّ العمل، ومشاركة الناس المكان اللائق بأهميته في تيسير حركة المجتمع؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا في توازن ووسطية، حتى في يوم الجمعة الذي هو عيد المسلمين الأسبوعي يقول الله -﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: ٩، ١٠). وفي المقابل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون: ٩).
فالعبادات في الإسلام لا تتعارض مع مصالح الدنيا ما دام الإنسان آخذًا بالوسطية، كما أن الإسلام فيه دعوة، ووُصفت أمة الإسلام بالخير، والخير فيه دعوة وأمر بمعروف ونهي عن النكر ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)، وهذا لا يتحقق بالعزلة «والذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، ومن ثم فالتدين الحق ليس باعتزال الخلق والتخلي عن الدنيا وشئونها كما في البوذية والنصرانية.
[ ٢٧٩ ]
وأين الانقطاع بالعزلة إلى الله والرهبان والراهبات لم ينعزلوا لله، بل للكيد للإسلام والمسلمين، والطعن في دينه، وتلك الحركة الاستشراقية والتنصيرية خير شاهد على ذلك، فالرهبان هم طلائع المستشرقين والمنصرين، فالعزلة عند السابقين تخريب للبيوت والأسر وتشتيتها، لقد اتهم جمهور الرومان الدين المسيحي بالعمل على تشتيت الأسر وخراب البيوت؛ حيث كان الواحد منهم يهجر عائلته وأرضه، ومن ثم كان سخط الجموع الوثنية الرومانية أشدّ من سخط الأباطرة أنفسهم.
والعزلة عند المعاصرين تلبيس على الغير؛ لإدارة رحى الحرب على الإسلام والمسلمين بحجة التمكين لدين المسيح، فأخذوا في العمل وشيدوا المصانع في الأديرة، وأقاموا مزارع، وأسسوا مشروعات، واشترطوا على من يريد الانخراط في سلك الرهبنة، أن يكون حاصلًا على مؤهل متوسط على الأقل حتى يكون عارف بدوره المنوط به أداؤه.
ورأينا الآن من الرهبان ممن هم أطباء ومهندسون ومدرسون وغيرهم، ألا يدل ذلك على مدى التناقض شأن الباطل دائمًا، فماذا بعد الحق إلا الضلال.