الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
بعد أن حدثتك عن زرادشت والزرادشتية؛ من حيث التأسيس والنشأة والتطور، ومن حيث المصادر والعقائد؛ ها أنا ذا أعقد مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية؛ في الله والنفس والمصير. ونذكر عقيدة زرادشت في الله - عز جل، ثم نقارنها بعقائد المانوية.
وخلاصة ما جاء به زرادشت من جديد في الديانة، أنه أنكر الوثنية وجعل الخير المحض من صفات الله، ونزل بإله الشر إلى ما دون منزلة المساواة بينه وبين الإله الأعلى، وبشر بالثواب وأنذر بالعقاب، وقال بأن خلق الروح سابق لخلق الجسد، وحاول جهده أن يقصر الربانية على إله واحد، موصوف بأرفع ما يفهمه أبناء زمانه من صفات التنزيه، وليست المجوسية كلها من تعاليم زرادشت، أو تعليم كاهن واحد من كهان الأمة الفارسية، فقد سبقه الفرس إلى عقائدهم، في أصل الوجود وتنازع النور والظلام، ولكنه تولى هذه العقائد بالتطهير، وحملها على محمل جديد من التفسير والتعبير.
فالمجوس كانوا يعتقدون أن هرمز وأهرمن، مولودان لإله قديم يسمى زروان ويكنى به عن الزمان، وأنه اعتلج في جوفه وليدان، فنذر السيادة على الأرض والسماء لأسبقهما إلى الظهور، فاحتال أهرمن بخبثه وكيده، حتى شق له مخرجا من الوجود، قبل هرمز الطيب الكريم، فحقت لأهرمن سيادة الأرض والسماء، وعز على أبيهما أن ينقض نذره، فأصلحه بموعد ضربه لهذه السيادة، ينتهي بعد تسعة آلاف سنة، ويعود الحكم بعده لإله الخير خالد بغير انتهاء، ويؤذن له يومئذ في القضاء على إله الشر، وتبديل غياهب الظلام.
وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام، كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة، وأهرمن غافل عنه في قراره السحيق، فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه، فأشفق على نفسه من العاقبة، وعلم أن النور يوشك أن ينتشر ويستفيض، فلا يترك له ملاذا يعتصم به، ويضمن فيه البقاء، فثار وثارت معه
[ ٤٧٢ ]
خلائق الظلام وهي شياطين الشر والفساد، فأحبطت سعي هرمز وملأت الكون بالخبائث والأرزاء، وران هذا البلاء على الكون، حتى كانت معركة زرادشت، فكان البشير بانتهاء زمان وابتداء زمان، ولكنه لم يختم صراع العدوين اللدودين، بل آذن بتحول النصر من صف إلى صف، وتراجع الشر والظلام عن مملكة الخير والنور، وسيدوم هذا الصراع اثني عشر ألف سنة، ينجم على رأس كل ألف منها بشير من بيت زرادشت، فيعزز جحافل هرمز ويوقع الفشل في جحافل أهرمن، وتنقضي المدة فينكث أهرمن على عقبيه مخلدا في أسفل سافلين، لا فكاك له أبد الأبيد، من هاوية الظلمات وسجن المذلة والهوان.
وتدل تسمية الإلهين دلالة واضحة، على انتقال فكرة الإلهية طبقة فطبقة، من صورة التجسيم إلى صورة التنزيه، فإن هرمز مأخوذ من أهورا بمعنى السيد، ومازدا بمعنى الحكيم، وأهرمن مأخوذ من أنجرو بمعنى السيئ وماينوش بمعنى الفكر والروح، والمعنيان معا من عالم الفكر المجرد أو القريب من التجريد، ثم أصبحت كلمة أور مزدا مرادفة لروح القدس، وكلمة أهرمان مرادفة لروح الشر أو روح الأذى والفساد. وقيل في مجمل الأساطير المجوسية: إن أهرمان إنما هو فكرة سيئة، خطرت على بال زروان فكان منها إله الظلام.
ويخيل إلينا أن زرادشت، كان خليقا أن يسمو بعقيدة المجوس، إلى مقام أعلى من ذلك المقام في التنزيه، وأن يسقط بأهرمن من منزلة الند إلى منزلة المارد المطرود، لولا أن وجود أهرمن كان لازما، لبقاء الكهانة الفارسية، في عهود المحن والهزائم التي منيت بها الدولة، وتجرعت فيها الأمة غصص الذل والانكسار، فلو قال الموابذة للمؤمنين بهرمز: إنه هو الإله المتفرد في الكون بالتصريف والتقدير، لكفروا بدينهم وحاروا في أمرهم، ولكنهم يكبرون من قوة أهرمن، ويجعلون
[ ٤٧٣ ]
انتصاره عقوبة للناس على تركهم للخيرات وحبهم للشرور. ثم يبشرونهم بغلبة الإله الحكيم الرحيم بعد الهزيمة، فتهدأ وساوسهم إلى حين.
على أن زرادشت، قد استخلص من أخلاط المجوسية عقيدة وسطا، بين العقيدة الوثنية الأولى والعقيدة الإلهية الحديثة، سواء في تصحيح الفكرة الإلهية، أو مسائل الأخلاق ومسائل الثواب والعقاب، فالله في مذهب زرادشت، موصوف بأشرف صفات الكمال، التي يترقى إليها عقل بشري، يدين على حسب نشأته بالثنائية وقدم العنصرين في الوجود، فالخير عند زرادشت غالب دائم، والشر مغلوب منظور إلى أجل مسمى، وما زال أهرمن يهبط في مراتب القدرة والكفاية على هذا المذهب، حتى عاد كالمخلوق الذي ينازع الخالق سلطانه، ولا محيص له في النهاية من الخذلان.
وفي الزند فستا يقول زرادشت: " إنه سأل هرمز: يا هرمز الرحيم صانع العالم المشهود، يا أيها القدس الأقدس، أي شيء هو أقوى القوى جميعا في الملك والملكوت؟ فقال هرمز: إنه هو اسمي، الذي يتجلى في أرواح عليين، فهو أقوى القوى في عالم الملكوت، فسأله زرادشت أن يعلمه هذا الاسم، فقال له: إنه هو السر المسئول، وأما الأسماء الأخرى فأولها هو واهب الأنعام، وثانيها هو المكين، وثالثها هو الكامل، ورابعها هو القدس، والاسم الخامس هو الشريف، والاسم السادس هو الحكمة، والاسم السابع هو الحكيم، والاسم الثامن هو الخبرة، والاسم التاسع هو الخبير، والاسم العاشر هو الغني، والاسم الحادي عشر هو المغني، والاسم الثاني عشر هو السيد، والاسم الثالث عشر هو المنعم، والاسم الرابع عشر هو الطيب، والاسم الخامس عشر هو القهار، والاسم السادس عشر هو محق الحق، والاسم السابع عشر
[ ٤٧٤ ]
هو البصر، والاسم الثامن عشر هو الشافي، والاسم التاسع عشر هو الخلاق، والاسم العشرون هو مزدا أو العليم بكل شيء".
وقد حرم زرادشت عبادة الأصنام والأوثان، وقدس النار على أنها هي أصفى وأطهر العناصر المخلوقة، لا على أنها هي الخلاق المعبود، وقال: "إن الخلائق العلوية كلها، كانت أرواحا صافية لا تشاب بالتجسيد، فخيرها الله بين أن يقصيها من منال أهرمن، أو يلبسها الجسد لتقدر على حربه والصمود في ميدانه، لأن عناصر الفساد لا تحارب بغير أجساد، فأبت أن تعتصم بمعزل عن الصراع القائم بين هرمز وأخيه، واختارت التجسد لتؤدي فريضة الجهاد في ذلك الصراع".
ويتخيل زرادشت هرمز أو أورمزد أو أهورا مازدا أو يزدان، على اختلاف اللهجات في نطقه، ومستويا على عرش النور، محفوظا بستة من الملائكة الأبرار، تدل أسماؤهم على أنهم صفات إلهية، كالحق والخلود والملك والنظام والصلاح والسلامة، ثم استعيرت لها سمات الذوات، بعد تداول الأسماء أو تداول الأنباء عما تفعله، وما تؤمر به وما تتلقاه من وحي الله، وتفيض أقوال زرادشت كلها باليقين من رسالته واصطفاء الله إياه، للتبشير بالدين الصحيح والقضاء على عبادة الأوثان، ومن أمثلة هذا اليقين قوله: "أنا وحدي صفيك الأمين، وكل من عداي فهو عدو لي مبين"، وإن الله أودع الطبائع عوامل الخير جميعا، فإن هي حادت عن سواء السبيل، كان إرسال الرسل للتذكير والتحذير، آخر حجة لله على الناس، وإن زرادشت هو هذه الحجة، التي أبرزها الله إلى حيز الوجود، لتهدي من ضل وتذكر من غفل، وتستصلح من فيه بقية للصلاح، وكلما انقضى ألف عام، برز إلى حيز الوجود خليفة له من سلالته،
[ ٤٧٥ ]
ولكن الأرواح التي تحف بالعرش، هي التي تحمل بذرته إلى رحم عذراء، تلهمها تلك الأرواح أن تتطهر في تلك الساعة بالماء المقدس، في عين صافية مدخرة في ناحية الأرض ليومها الموعود.
ويتخيل زرادشت أنه يناجي هرمز ويسمع جوابه، ويسأله سؤال المتعلم المسترشد لمرشده وهاديه، فيناديه: "ربي هب لي عونك، كما يعين الصديق أخلص صديق، ويسأله ربي ألا تنبئني عن جزاء الأخيار، أيجزون يا ربي بالحسنة قبل يوم المعاد، أو يسأله من أقر الأرض فاستقرت، ورفع السماء فلا تسقط، ومن خلق الماء والزرع، ومن ألجم للرياح سحب الفضاء وهي أسرع الأشياء"، ولا يبعد أن يكون من أصحاب الطبائع، التي تغيب عن الوعي أو تسمع في حالة وعيها، أصواتا خفية من هاتف ظاهر أو محجوب، كما روي عن سقراط وأمثاله من الموهوبين والملهمين.
ورواية الخليقة في مذهب زرادشت، أن هرمز خلق الدنيا في ستة أدوار، فبدأ بخلق السماء ثم خلق الماء ثم خلق الأرض ثم خلق النبات ثم خلق الحيوان ثم خلق الإنسان، وأصل الإنسان رجل يسمى كيمورث، قتل في فتنة الخير والشر، فنبت من دمه ذكر يسمى ميشا وأنثى تسمى ميشانة، فتزاوجا وتناسلا، وساغ من أجل ذلك عند المجوس زواج الأخوين.
ويفرق المجوس بين الخلائق جريا على مذهبهم، في اشتراك الخلق بين خالق الطيبات وخالق الخبائث، أو بين إله النور وإله الظلام، فالأحياء النافعة من خلق أرمز، كالثور والكلب والطير البريء، والأحياء الضارة من خلق أهرمن، كالحية وما شابهها من الحشرات والهوام، والناس محاسبون على ما يعملون، فكل ما صنعوه من خير أو شر، فهو مكتوب في سجل محفوظ، وتوزن أعمالهم بعد
[ ٤٧٦ ]
موتهم، فمن رجحت عنده أعمال الخير صعد إلى السماء، ومن رجحت عنده أعمال الشر هبط إلى الهاوية، ومن تعادلت عنده الكفتان، ذهب إلى مكان لا عذاب فيه ولا نعيم إلى أن تقوم القيامة، ويتطهر العالم كله بالنار المقدسة، فيرتفعون جميعا إلى حضرة هرمز في نعيم مقيم.
وتوزن الأعمال عند قنطرة تسمى قنطرة شنفاد، تتوافى إليها أرواح الأبرار والأشرار على السواء، بعد خروجها من أجسادها، فيلقاها هناك فشنود ملك العدل ومترا رب النور، وينصبان لها الميزان، ويسألانها عما لديها من الأعذار والشفاعات، ثم يفتحان لها باب النعيم أو باب الجحيم، ونعيم المجوس من جنس الحسنات، التي تجزى بذلك النعيم، لأن المجوس لا يستحبون الزهد في الحياة، ولا يصدفون عن المتاع المباح، فمن عاش في الدنيا عيشة راضية، وكسب رزقه بالعمل الصالح، وأنشأ أبناءه نشأة حسنة، فجزاؤه في النعيم، رغد العيش وجمال السمت وطيب المقام بين الأقرباء والأصفياء، ويسقى من لبن بقرة مقدسة، درها غذاء الخلود، ومن كسب رزقه من السحت والحرام، فجزاؤه في الجحيم، عيشة ضنكا وألما كألم الجوع والعري، والذل والاغتراب عن الأحباب.
وهذه الخلاصة ترسم لنا اتجاه مذهب زرادشت، ولكنها لا ترسم لنا شعب المجوسية، التي يشتبك بها هذا المذهب في مواضع، ويفترق عنها في مواضع أخرى، وقد أجمل الشهرستاني بيان هذه المذاهب في كتابه (الملل والنحل)، فقال في فصل مطول عن المجوس وأصحاب الاثنينية والمانوية وسائر فرقهم المجوسية: "كانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل، راجعة إلى صنفين، أحدهما الصابئة والثانية الحنفاء، فالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى،
[ ٤٧٧ ]
ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا، يأكل مما نأكل ويشرب مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة، قالوا ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (المؤمنون: ٣٤).
والحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة، إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجاته في الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية، فيلتقي الوحي بطرف الروحانية، ويلقى إلى نوع الإنسانية بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (فصلت: ٦)، قال جل ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٣).
ثم لما لم يتطرق للصابئة، الاقتصار على الروحانيات البحتة، والتقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع وبعض الثوابت، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص، التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن الإنسان شيئا، والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام، وكان إبراهيم مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين، وتقرير الحنيفية السمحة السهلة.
ثم قال عن الثنوية: إنهم أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد، ويسمون أحدهما النور والثاني الظلمة، وبالفارسية يزدان أهرمان، ولهم في ذلك تفصيل مذهب، ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، أحدهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية سبب خلاص النور من الظلمة،
[ ٤٧٨ ]
وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا، إلا أن المجوس الأصليين زعموا أن الأصلين، لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي والظلمة محدثة.
ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها، أمن النور حدثت، والنور لا يحدث شرا جزئيا، فكيف يحدث أصل الشر، أم شيء آخر، ولا شيء يشترك مع النور في الإحداث والقدم، وبهذا يظهر تخبط المجوس، وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول في الأشخاص كيومورث، وربما يقولون: زروان الكبير، والنبي الآخر زرادشت، والكيموثرية يقولون: كيومورث هو آدم -﵇، وقد ورد في تاريخ الهند والعجم كيومورث آدم، ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ.
ثم قال عن الكيومثرية: إنهم أثبتوا أصلين، يزدان وأهرمن، وقالوا: يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق، قالوا: إن يزدان فكر في نفسه، أنه لو كان لي منازع كيف يكون، وهذه الفكرة رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة وسمي أهرمن، وكان مطبوعا على الشر والفتنة والفساد والضرر والإضرار، فخرج على النور وخالفه طبيعة وقولا، وجرت محاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة، ثم إن الملائكة توسطوا فصالحوا، على أن يكون العالم السفلي خالصا لأهرمن، وذكروا سبب حدوثه، وهؤلاء قالوا: سبعة آلاف سنة، ثم يخلي العالم ويسلمه إلى النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح، أبادهم وأهلكهم.
ثم بدأ برجل يقال له: كيمورث وحيوان يقال له: ثور؛ فقتلهما، فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس، وخرج من أصل ريباس رجل يسمى ميشا، وامرأة اسمها ميشانة، وهما أبوا البشر، ونبت من مسقط الثور الأنعام وسائر الحيوانات، وزعموا أن النور خير الناس وهم أرواح بلا أجساد، بين أن يرفعهم
[ ٤٧٩ ]
عن مواضع أهرمن، وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربوا أهرمن، فاختاروا لبس الأجساد ومحاربة أهرمن، على أن يكون لهم النصر من عند النور، والظفرة بجنود أهرمن وحسن العاقبة، وعند الظفر به وإهلاك جنوده يكون الغاية، فذاك سبب الامتزاج وذاك سبب الخلاص.
إلى أن قال عن الزرادشتية: زعموا أن الله -﷿- خلق في وقت ما، في الصحف الأولى والكتاب الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة، أنفذ مشيئته في صورة من نور متلألئ على تركيب صورة الإنسان، وأحف به سبعين من الملائكة المكرمين، وخلق الشمس والقمر والكواكب والأرض، وبني آدم غير متحرك ثلاثة آلاف سنة، ثم جعل روح زرادشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين، وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف بأسمويتدور، ثم مازج شبح زرادشت بلبن بقرة، فشربه أبو زرادشت فصار نطفة ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وغيرها، فسمعت أمه نداء من السماء، فيه دلالات على برئها فبرئت.
ثم لما ولد زرادشت ضحك ضحكة تبينها من حضر، واحتالوا على زرادشت حتى وضعوه، بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، وكان ينتهض كل واحد منهم بحمايته من جنسه، ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فبعثه الله نبيا ورسولا إلى الخلق، فدعا كشتاسف الملك فأجابه إلى دينه، وكان دينه عبادة الله والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الخبائث، وقال: النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأهرمن وهما مبدأ موجودات العالم، وحصل التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة، والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو واحد لا
[ ٤٨٠ ]
شريك له ولا ضد ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، كما قالت الزروانية.
لكن الخير والشر والصلاح والفساد والطهارة والخبث، إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم تميزها لما كان وجود للعالم، وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى عالم والشر إلى عالم، وذلك هو سبب الخلاص، والباري تعالى هو مزجها وخلطها، وربما جعل النور أصلا، وقال: إن وجوده حقيقي، وأما الظلمة فتبع كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور وحصل الظلام تبعا، لأن من ضرورة الوجود التضاد، فوجوده ضروري واقع في الخلق، لا بالقصد الأول كما ذكرنا في الشخص والظل.
وله كتاب قد صنفه وقيل: أنزل ذلك عليه وهو (زندستا)، يقسم العالم قسمين ميتا وكيتي يعني الروحاني والجسماني والروح والشخص، وكما قسم الخلق إلى عالمين، يقول: إن ما في العالم ينقسم إلى قسمين أخشش وكنس، ويريد به التقدير والفعل، وكل واحد مقدر على الثاني، ثم يتكلم في موارد التكليف وهي حركات الإنسان، فيقسمها ثلاثة أقسام: منش وكنس وكنش، يعني بذلك الاعتقاد والقول والعمل، وبالثلاثة يتم التكليف. ولم تختم المذاهب المتجددة في المجوسية، بمذهب زرادشت وتفسيراته المتعددة، بل بقيت هذه المذاهب تتجدد، إلى ما بعد شيوع المسيحية بعدة قرون، وأشهرها وأهمها في تاريخ المقابلة بين الأديان، مذهب مترا ومذهب ماني المعروف بالمانوية".
انتشر مذهب مترا في العالم الغربي، بعد حملات بومبي الآسيوية، وتدفق الأسيويين من جنده إلى حواضر سوريا وأسيا الصغرى، وأيده القياصرة لأنه كان يرفع سلطان الملوك إلى عرش السماء، ويقول: "إن الشمس تشع عليهم، قبسا
[ ٤٨١ ]
من نورها وهالة من بركاتها، فيرمزون بعروشهم على الأرض، إلى عرش الله في عليين"، وشاع هذا المذهب بعض الشيوع في القرن الثاني قبل الميلاد، قصر وأتباعه على الذكور دون الإناث، وجعل لهم درجات سبعا، يرتقونها إلى مقام العارفين الواصلين، رمزا إلى الدرجات التي تصعد عليها الروح بعد الموت، من سماء إلى سماء، حتى تستقر في نهاية المرتقى عند حظيرة الأبرار، ويحتفل بالمريد كلما انتقل من درجة إلى درجة، في وليمة يتناول فيها الخبز المقدس، ويسمح بالماء الطهور، ولا يطلع قبل الدرجة الرابعة على أسرار المحراب، بل يقتصر في العلم بتلك الأسرار على التقليد، ثم يترقى في معرفة السر الأعظم، إلى أن يعرف كلمة الله الخالقة في مقام العارفين الواصلين.
وأصل مترا قديم في الديانة الآرية، يدين به الهنود كما يدين به الفارسيون، وقد هبط في الديانة الزرادشتية، إلى مرتبة الملك الموكل بهداية الصالحين، ولكنهم جعلوه في الديانة المترية إله الشمس، ورب الكون وخالق الإنسان وقاهر أهرمن، بعد جلاد طويل، ولا يسبقه في الوجود شيء غير الأبد أو الزمان، أبو الأرباب عندهم وأبو كل موجود.
ويمثلون مترا حين تجسد على الأرض، مولودا من صخرة نائية في مكان منفرد، لم يعلم بمولده أحد غير طائفة من الرعاة، ألهموا معرفته فتقدموا إليه بالهدايا والقرابين، ومضى بعد مولده فستر عريه بورق من شجرة التين، وتغذى بثمرها حتى جاوز سن الرضاع، وكان أهرمن يحاربه ويتعقبه بالكيد، ويحبط كل عمل له من أعمال الخير والفلاح، فأرسل مترا على الأرض طوفانا أغرقها، ولم ينج معه إلا رجل واحد، حمل آله وأنعامه في زورق صغير، وجدد على الأرض بعد ذلك حياة الإنسان والحيوان، ثم طهر الأرض بالنار وتناول مع ملائكة الخير
[ ٤٨٢ ]
طعام الوداع وصعد إلى السماء، حيث هو مقيم يتولى الأبرار بالهداية، ويعينهم على النجاة من حبائل الشيطان.
وكان أتباعه يفردون لعبادته يوم الشمس أو يوم الأحد، ويحتفلون بمولده في الخامس والعشرين من ديسمبر، لأنه موعد انتقال الشمس وتطاول ساعات النهار، ويقيمون له عيدا سنويا في اليوم السادس عشر، من الشهر السابع في تقويم الفرس القديم، وقد كان المسيحيون الأولون يقابلون ذلك، بعد ظهور المسيحية وانتشارها، بتمجيد السيد المسيح في الأيام التي كان عباد مترا ينصرفون فيها إلى تمجيد هذا الإله الشمسي القديم.
أما المانوية: فهي مذهب ماني بن فاتك، الذي يرجح أنه ولد في أوائل القرن الثالث بعد الميلاد، ومذهبه يخالف مذاهب المجوس الأقدمين في زعمه أن آدم من خلق الشيطان لا من خلق الله، وأن الشيطان أودعه كل ما استطاع أن يختلسه من نور السماء، ليكفل له البقاء، فلما بصر به الملائكة ولمحوا فيه قبس النور، ذهبوا يستخلصونه من قبضة الشيطان، ليرتفعوا به إلى العالم الذي هم فيه، ولا يزالون يعملون في استخلاصه، حتى يرجع إلى السماء آخر قبس من الضياء المسروق، فيتجلى الله في سمائه ومن حوله تلك الأرواح النورانية، ويتخلى الملائكة الذين يحملون الدنيا عن حملهم، فتتساقط كسفا وتلتهمها النيران، تطهيرا لها من بقايا الرجس والمكيدة، ويتم الانفصال يومئذ بين عالم النور وعالم الظلام.
قال الشهرستاني عن صاحب هذا المذهب: "إنه أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، ويقول بنبوة المسيح -﵇- ولا يقول بنبوة موسى -﵇. حكا محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق، وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم، أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الحيز متحاذيان تحاذي الشخص والظل.
ثم ذكر أمثلة من اختلاف بين جوهر النور وجوهر الظلمة، فقال: إن جوهر النور حسن فاضل كريم صاف نقي الريح حسن المظهر، وإن جوهر الظلمة قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر، وإن أجناس النور خمسة، أربعة منها أبدان والخامس روحها، فالأبدان هي النار والنور والريح والماء وروحها النسيم، وإن أجناس الظلمة أربعة منها أبدان والخامس روحها، والأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها الدخان". وقد أصاب الشهرستاني حين قال: "إن هذه الثنوية، هي ألزم سمات المذاهب المجوسية، لأنها تتراءى في كل مذهب منها بلا استثناء، وهي كذلك أبقى ما بقي منها في مجال التفكير، ومجال الاعتقاد على السواء، لأننا نرى منها ملامح واضحة، في مباحث التفرقة بين العقل والمادة، ولاسيما مباحث حكماء اليونان".
وأما عند المانوية الذين هم أصحاب ماني بن فتك الحكيم، الذي ظهر في زمن شابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن شابور، وذلك بعد عيسى -﵇، أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح -﵇- ولا يقول بنبوة موسى -﵇، فحكا محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق، وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين،
[ ٤٨٣ ]
أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الحيز متحاذيان تحاذي الشخص والظل. وإنما يتبين جواهرهما وأفعالهما في هذا الجدول:
النور الجوهر، جوهره حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر.
الظلمة الجوهر جوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر.
النفس: نفس خيرة كريمة حكيمة نافعة عالمة النفس.
النفس: نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة.
الفعل: فعله الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب والنظام والاتفاق.
الفعل: فعلها الشر والفساد والضر والغم والتشويش والتبتير والاختلاف.
الحيز: جهة فوق وأكثرهم على أنهم ارتفعوا من ناحية ال شمال، وزعم بعضهم أنه بجنب الظلمة.
الحيز: جهة تحت وأكثرهم على أنها منحطة من ناحية الجنوب، وزعم بعضهم أنها بجنب النور.
أجناسها خمسة: أربعة منها أبدان، والخامس روحها، فالأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها الدخان، وهي تدعى الهامة وهي تتحرك في هذه الأبدان.
الصفات: حية طاهرة خيرة زكية، وقال بعضهم: كون النور لم يزل على مثال هذا العالم، له أرض وجو، وأرض النور لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الأرض، بل هي على صورة جرم الشمس، وشعاعها كشعاع الشمس ورائحتها الطيبة أطيب رائحة، وألوانها ألوان قوس قزح، قال بعضهم: ولا شيء إلا الجسم، والأجسام على ثلاثة أنواع، أرض النور وهي خمسة، وهناك جسم آخر ألطف منه، وهو الجو وهو نفس النور، وجسم آخر وهو ألف منه، وهو النسيم وهو روح النور، قال: ولم يزل يولد ملائكة وآلهة وأولياء، ليس على سبيل المناكحة، بل كما تتولد الحكمة من حكيم، والنطق الطيب من الناطق، وملك ذلك العالم وروحه، ويجمع عالمه الخير والحمد والنور.
الصفات: خبيثة شريرة بخسة دنسة، قال بعضهم: كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم، لها أرض وجو، فأرض الظلمة لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الأرض، بل هي أكثف وأصلب، ورائحتها كريهة أنتن الروائح وألوانها لون السواد، قال بعضهم: ولا شيء إلا الجسم، والأجسام على ثلاثة أنواع، أرض الظلمة وشيء آخر أظلم منه، وهو السموم، قال: ولم تزل تولد الظلمة شياطين أراكنة وعفاريت، لا على سبيل المناكحة، بل كما تتولد الحشرات من العفونات، قال: وملك ذلك العالم وهو روحه، يجمع عالمه الشر والذميمة والظلمة.
ثم اختلفت المانوية، في المزاج وسببه والخلاص وسببه، قال بعضهم: إن النور والظلام، امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختيار، قال أكثرهم: إن سبب المزاج، أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت إلى الروح فرأت النور، فبعث الأبدان على ممازجة النور، فأجابتها لإسراعها إلى الشر، فلما رأى ذلك ملك النور، وجه إليه ملكا من ملائكته في خمسة أجزاء من أجناسها، فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية، فخالط الدخان النسيم، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والآفات من الدخان، وخالط الحريق النار والنور الظلمة والسموم الريح والضباب الماء، فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرة وفساد وشر فمن أجناس الظلمة، إلى آخر هذه الأساطير، التي اعتقدها هذا المانوي في القديم أو في خلق العالم، أو في الذات الإلهية، حيث إنه يرى أن العالم مركب من شيئين نور وظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولا يزالان.
وأحالوا حدوث شيء من الصنعة والتركيب، إلا من أصل قديم، وقالوا: لم نر إلا حساسين قويين دراكين سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، ومتضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن مختص بالصفاء والنقاء، وطيب الريح وحسن المنظر، ونفسه خيرة كريمة نفاعة، وكل خير وصلاح وسرور من فعلها، ليس فيها شيء من الشر ولا من الضرر، وجوهر الظلمة على ضد ذلك من النقص والكدورة ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضارة، وكل شر وضرر وغم وفساد فمنها يكون. وزعموا أنهما لم يزالا متباينين، ثم امتزجا من بعد، وزعموا أن عالميهما غير متناهيين من كل جهاتهما، إلا من جهة تلاقيهما، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن النور لم يزل فوق الظلمة وهي تحته على الاستواء.
فهكذا زعم ماني، أن مبدأ العالم كونان أحدهما نور والآخر ظلمة، كل واحد منهما منفصل من الآخر، فالنور هو العظيم الأول ليس بالعدد، وهو الإله ملك جنان النور، وله خمسة أعضاء الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وخمسة أخر روحانية وهي الحب والإيمان والوفاء والمروءة والحكمة، وزعم أنه بصفاته هذه أزلي، ومعه شيئان أزليان أحدهما الجو والآخر الأرض، قال ماني: "وأعضاء الجو خمسة: الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وأعضاء الأرض النسيم والريح والنور والماء والنار. والكون الآخر وهو الظلمة أعضاؤها خمسة: الضباب والحريق والسموم والسم والظلمة. قال ماني: وذلك الكون النير مجاور للكون المظلم لا حاجز بينهما، والنور يلقي الظلمة بصفحته، ولا نهاية للنور من علوه ولا يمنته ولا يسرته، ولا نهاية للظلمة في الصف ولا في اليمنة واليسرة"، إلى آخر ذلك الهراء.