لا عقائد بلا عمل: هذا الموضوع يرتبط بالموضوع السابق إذا كنا آنفا قلنا: إن بوذا ليس نبيًّا، لكنه فيلسوف فإننا هنا ننقل عن العلامة الهندي رادها "كريشنان" أن بوذا لم يكن نبيًّا؛ لأنه لم يقرر عقائد، ولم يكن كذلك فيلسوفًا؛ لأنه لم يؤسس مذاهب فلسفية، إنما أسس دعوته بناءً على تجربته الروحية التي لا يمكن بيانها بألفاظ.
فدعوته حكاية عن هذه التجربة، وعن الطريق المؤدي إليها، وبوذا إن الحق لا يعرف بالنظريات، بل يعرف بالسير المتواصل في طريقه، وفي ذلك يقول أيضًا:
[ ٢٢٠ ]
إن عملي ملكي عملي ميراثي، وعملي هو الرحم الذي يحملني وعملي هو الجنس الذي أنتمي إليه، وعملي هو الملجأ الذي التجئ به.
فأساس النظام الذي يضعه بوذا العمل لا العقيدة؛ فقد كان يحاول خلق عادة لا إقرار عقيدة، وعلى هذا ليس في تعاليمه إلا القليل الذي يصح أن يصف بالعقيدة، كما أنه لم يأمر بعبادات، ولا رياضيات تقشفية، وكل إلحاحه كان على التدريب الأخلاقي، ومن التعاليم البوذية الجانب الأخلاقي.
أخلاق الجماعة البوذية:
هناك صلة بين البوذية والجينية في مسألة الأخلاق؛ فالجينية لهم فرقتان فرقة خاصة، وهم الرهبان المنقطعون للتبتل وعامة، وهم أتباع الجينية من غير الرهبان، أما في البوذية فلم تكن هناك طائفة خاصة بالأسس والرهبان، وكان أتباع بوذا جماعة واحدة يتعاون أفرادها على الوعظ والإرشاد يلتزمون حياة شعارها ضبط النفس من الشهوات، وليست هناك شعائر يتبعها من يريد الالتحاق بالبوذية، وعلى الراغب في الالتحاق بها أن يتنازل عن ماله وعقاره، ويحمل مخلاته للسؤال، وينضم إلى الجماعة ويتخلق بأخلاقهم.
ولعل من الممكن أن نقول: إن فكرة التخلص من الأموال لدخول البوذية قد تسربت إلى المسيحية، حيث يروي متى، ومرقص، ولوقا عن عيسى: أنه قال لشاب غني أراد أن يدخل المسيحية بِعْ أملاكك، وأعطي ثمنها للفقراء، وتعال اتبعني، فلم يقبل الشاب، فقال عيسى: يعسر أن يدخل غني ملكوت الله".
وليس ضبط النفس، وقهر الشهوات بدرجة واحدة بين أتباع بوذا، بل كانوا يتفاوتون في ذلك تبعًا لمقدرتهم الخاصة، ولاحترام الحياة إنسانية كانت، أو حيوانية.
[ ٢٢١ ]
من أهم الأخلاق البوذية فليس لبوذي أن يقتل حيوانًا للهو كالصيد، أو في جد كذبحه للأكل، بل عليه أن يرفق بالحيوان، ويعده أخاه في الخلق، ولا يراه خلقًا أدنى منه، فالهدوء الروحي، والحب لكل نسمة هو ما أرشد له بوذا، والمحبة الشاملة أهم، وأفضل من الأعمال الحسنة لدى الجماعة البوذية.
وقد قال بوذا في ذلك: الحسنات على اختلاف أنواعها لا تبلغ سدس فضل المحبة التي تحرر القلب من شوائب الشر؛ لأن مثل هذه المحبة يتضمن سائر الحسنات، إن المحبة تشرق نورًا وبهاءً، ترون الأمة تحيط بوليدها حتى في الأخطار التي تهدد حياتها، كذلك يجب على كل إنسان أن يغرس في نفسه الحب العميق الصادق لسائر الخلق.
ومن التعاليم البوذية ما يرتبط بالفلسفة في جانب الثروة، فلسفة الثروة عند بوذا:
تكلمنا آنفا عن رأي بوذا فيما يتعلق بالمال والعقار، وذكرنا أنه حث من يريد دخول النظام أن يتنازل عن أمواله وعقاره، ثم يحمل مخلاته، ويلتحق بالجماعة، وذلك هو رأي بوذا تجاه الثروة، ولكنه أورد مزيدًا من الشرح الذي يظهر أن هذا الاتجاه هو الغالب؛ لأن الثروة في أكثر الأحيان تستعبد صاحبها، وتجذب نفسه، وتصير هدفًا لذاتها.
أما إذا لم تشغف النفس بالثروة، ولم يكن الإنسان عبدًا لها لو تكن هدفًا لذاتها، وإنما تجمع لتنفق في الوجوه الصحيحة؛ فإن الثروة حينذاك لا تصير نقمة، ولا شرًّا، بل تصبح نعمة، وبركة للإنسان، ومثلها الحياة، والسلطان، ومما يتصل بالثروة رأيه في العمل والبطالة، فقد كان واضحًا من سياسة الكشكول والسؤال أن بوذا يتجه للبطالة؛ ولذلك سأله أحد الجينيين مرة هل أنت تدعو إلى ترك الأعمال، وهجر الأشغال؟ فأجابه إني أدعو إلى ترك كل عمل قبيح يجر إلى الشرور، ولكني بجنب هذا أدعو إلى القيام بكل ما هو حسن للجسد واللسان، والفكر، وكذلك أدعو إلى الإقبال على كل عمل يؤدي إلى الخير والسعادة، ولكن سلوك بوذا على كل حال كان يناقض حب العمل.
[ ٢٢٢ ]
ومن التعاليم البوذية إلغاء الطبقات:
تحدثنا من قبل عن نظام الطبقات في الهندوسية، ولعل من أهم المبادئ التي نادى بها بوذا هي إلغاء هذا النظام، ومن أقواله في ذلك: اعلم أنه كما تفقد الأنهار الكبيرة أسمائها عندما تصب في البحر، كذلك تبطل الطبقات أربع عندما يدخل الشخص في النظام، ويقبل الشريعة إن ما يدعو إليه بوذا هو الرهبنة، وفي الرهبنة يتساوى سائر البشر، ولكن يؤخذ على هذا الاتجاه أنه جعل إلغاء نظام الطبقات متوقفًا على دخول البوذية، فلم يدعو للمساواة في حد ذاتها.
أما الإسلام: فهتف بالمساواة مبدأ عاما بين البشر قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) فالآية تنادي الناس، ولا تنادي المؤمنين فقط، وهي تتكلم عن مبدأ الخلق أن الناس ينحدرون من أبٍ واحد وأمٍّ واحدة، فلا معنى للتفاوت والطبقية.
وقد سبق أن قلنا: إن البوذية؛ لأنها لم تتكلم عن الله سرعان ما انمحت وذابت في الهندوسية في الهند، وبالتالي سرعان ما ضاعت المساواة إذ ربطها بوذا بدخول البوذية.
ومن التعاليم البوذية المرأة والبوذية:
يقول علامة "رادها كريشنان" النائب الأسبق لرئيس الجمهورية الهندية في بحثه سالف الذكر: إن المرأة الهندية في عصر بوذا لم تكن منعزلة ولكننا مع ذلك نجد بوذا يتردد كثيرًا في قبولها؛ لتكون من أتباع دينه، وقد سأله مرة أحد خاصته، وهو ابن عمه "أنندا" كيف نعامل النساء أيها السيد؟ فأجاب لا تنظر إليهن، ولكن إذا اضطررنا إلى النظر إليهن لا تخاطبهن، ولكن إذا خاطبننا إذًا كن على حذر تام منهن.
[ ٢٢٣ ]
وكان "أنندا" من أنصار المرأة، وكان ابن عم بوذا وصفيه، فما زال يلح على بوذا حتى قبل ضم النساء إلى جماعته، وأتباعه، على أنه على الرغم من ذلك كان يرى في هذا خطر على المجتمع البوذي، وقد قال لـ"أنندا" مرة: لو لم نضم المرأة لدام النظام الخالص طويلًا، أما الآن بعد دخول المرأة بيننا فلا أراه يدوم طويلًا.
وقد أُثِرَ عن بوذا قوله: للنظام من بعدي أن يغير من سننه ما يراه مضرًّا لمقاصده وحياته، ويرى العلامة "رادها كريشنان": أن بوذا عنى بهذه الجملة لأتباعه طرد النساء إذا رأوا منهن خطرًا على الدعوة.